العمل المرن.. موظف منتج وبنية تحتية أقل استهلاكاً
بقلم: أسرار جوهر حيات

بعد خوض تجربتين للآن، في اعتماد العمل المرن، أو العمل الهجين، الذي يجمع بين «العمل الحضوري» لبعض الموظفين، و«العمل عن بعد» لآخرين، سواء في أزمة كورونا أو أحداث الحرب الأخيرة في المنطقة، أثبت هذا النظام جدواه في استمرار وتيرة العمل، وإنجاز المعاملات، دون تأخر، خاصة في ظل أنظمة التحول الرقمي.ولا بد من الإشارة إلى أن حضور الموظف إلى المكتب يومياً كان يعتبر المقياس الأهم للانضباط والانتاجية، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن الانجاز لا يرتبط بالمكتب والبصمة فقط، بل قد يكون العكس صحيحاً.
فمع تطور التكنولوجيا وتغير طبيعة الأعمال، بدا العالم يتجه نحو «العمل المرن» أو «العمل الهجين»، الذي يجمع بين «العمل الحضوري» و«العمل عن بعد»، نموذجاً أكثر واقعية وقدرة على مواكبة الحياة الحديثة.
هذا النموذج لا يمنح الموظف راحة أكبر فقط، بل ينعكس أيضاً على الدولة والبنية التحتية والاقتصاد بشكل مباشر، فخفض عدد الموظفين المتجهين للعمل يومياً، عبر تحويل نسبة منهم لـ«العمل عن بعد»، يعني خفض الازدحام المروري واستهلاك الوقود والضغط على مواقف السيارات والخدمات العامة، هذا فضلاً طبعاً عن المساهمة في خفض الانبعاثات وتقليل استهلاك الطاقة داخل المباني الحكومية والخاصة، بل إن البعض يذهب لأبعد من ذلك ويشير الى أن العمل المرن اصبح جزءا من مفهوم المدن الذكية والاستدامة الحديثة.
أما على مستوى الموظف، فإن المرونة تمنحه قدرة أفضل على تحقيق التوازن بين حياته الشخصية والعملية، وهو ما ينعكس نفسياً ومهنياً على جودة أدائه، حيث إن الموظف الذي يختصر ساعات الطريق يومياً يمنح العمل تركيزاً وطاقة أكبرين، ويصبح أقل عرضة للاحتراق الوظيفي والإرهاق المستمر، مما ينعكس ايجاباً على أدائه.
واعتماد العمل الهجين أو المرن، ليس بدعة، فإلى جانب تجربتَي «كورونا» و«الحرب الأخيرة»، هناك دول بالفعل اعتمدت هذا النظام في العمل وبدأت تجني ثماره، منها دول اقليمية، أو أخرى أبعد جغرافياً، بالتالي فإن التجربة، ان اعتمدت، لن تكون الأولى، فهناك تجارب ناجحة يمكن الاستفادة منها.
بل ان دراسات علمية اثبتت ان الانتاجية ترتفع في كثير من حالات العمل المرن منها دراسة من جامعة ستانفورد، حيث أشارت الى ان الموظفين في نظام العمل الهجين، حافظوا على مستويات الانتاجية والترقيات نفسها، مقارنة بالعاملين حضورياً بشكل كامل، مع ارتفاع ملحوظ في معدلات الاحتفاظ بالموظفين وخفض الاستقالات.
كما تشير أبحاث أخرى أن الموظفين الذين يعملون من المنزل يوفرون وقت التنقل ويستثمرونه في الراحة والنوم وممارسة الرياضة، وهو ما ينعكس لاحقاً على الأداء والاستقرار الوظيفي.
دراسات عربية أيضاً بدأت تتحدث بوضوح عن فوائد هذا النموذج، فالأبحاث الحديثة حول العمل الهجين أكدت أثراً إيجابياً ومرتفعاً في الانتاجية وجودة الحياة الوظيفية، مع توصيات بالتوسع في تطبيقه باعتباره أحد نماذج العمل المستقبلية الأكثر كفاءة ومرونة.
وبعد التجربتين الأخيرتين، أصبح لدى المؤسسات الحكومية في البلاد، الخبرة اللازمة في اعتماد هذا النموذج من العمل، حيث يمكن تحويل نسبة من الموظفين للعمل عن بعد، مع التدوير بينهم بين فترات متساوية وفق ما تقرره جهة العمل، خاصة ان العديد من المعاملات اليوم اصبحت تنجز رقمياً عبر تطبيق سهل أو التطبيقات الأخرى، كما ان التصريحات تشير الى الاتجاه نحو مزيد من رقمنة العمل الحكومي مما يجعل الطريق ممهداً لاعتماد العمل المرن.
ويمكن اعتبار العمل المرن اليوم أداة اقتصادية وادارية تسهم في رفع الكفاءة الانتاجية والمحافظة على الكوادر البشرية والكفاءات، بالتالي فإنه على المؤسسات أن تعي جدياً أن قياس الإنجاز لم يعد بعدد ساعات الجلوس خلف المكاتب.
