المفاوضات والخصوصية الجنبلاطية
بقلم: غازي العريضي

النشرة الدولية –
عقدت جلسة المفاوضات العسكرية- الأمنية بين لبنان واسرائيل في البنتاغون بحضور مسؤولين أميركيين. ليس ثمة تقدّم او حدّ أدنى من التفاؤل بإمكانية الوصول إلى اتفاق. اسرائيل على ثوابتها ونيّاتها واجتياحاتها واحتلالاتها وتوسّعها وممارساتها وهواياتها بالقتل الجماعي والتهجير والتدمير والتفجير الذي يستهدف كل شيئ والاغتيال الممنهج والتهديد والوعيد والترهيب وضرب واحتلال المواقع التاريخية التراثية و”تسوير” مناطق لبنانية واسعة بحزام أمني وزنّار نار.
كان السعي اللبناني الحصول على وقف إطلاق نار بعد دخولنا في مفاوضات مباشرة برعاية أميركا. إسرائيل لا تريد وقف الحرب ورعاية أميركا تباركها بطريقة أو بأخرى، والمسؤولون الاسرائيليون يهدّدون الإدارة الأميركية “لن نسمح لترامب بتوقيع اتفاق سيء مع إيران” قال بن غفير، وذلك رداً على كل التأكيدات التي أعلنت حول ثبات بند شمول قرار وقف إطلاق النار في مشاريع الاتفاق بين أميركا وإيران، لبنان. هم يحدّدون السيء والجيد وليس ترامب. وعندما وصلت الأمور إلى حد احتمال توقيع الاتفاق خلال ساعات في تلك الليلة التي أعلن فيها دخول المفاوضات مرحلة الصياغة النهائية للنص الذي سيوقّع، راحت اسرائيل تهدّد بالتعطيل والمنع وقال بن غفير كلمته. النعم أو الـ لا. إجازة المرور. التوقيع الأساسي. الضوء الأخضر. كل هذا في يد اسرائيل التي حاول ترامب أن يأتي لها بما لم تكن تحلم به، من خلال تهديد العرب لدفعهم إلى توقيع اتفاقات ابراهيمية معها ومع ذلك هدّدته. ولم يوقع الاتفاق حتى كتابة هذه السطور بل طلب إعادة النظر به.
اسرائيل لا تقبل إلا بحسم الحرب لصالحها. تعاني الآن مأزق المسيّرات الرخيصة الثمن التي يطلقها حزب الله، الدقيقة الإصابة بل الفتّاكة والغالية الثمن على اسرائيل بقتل عدد كبير من القادة والضباط والجنود على أرض المعركة. تريد وقتاً لمعالجة هذه المشكلة. وزير المالية هدّد بقصف بيروت وصولاً إلى المطالبة “بإسقاط 10 مبان مع إطلاق كل مسيّرة”، “وإسقاط مئة مبنى مع سقوط كل جندي”! وعلى الأرض توسيع دائرة الاحتلال وتهديد بإخلاء صور والنبطية وإشارات للوصول إلى منطقة الزهراني وتفاقم مشكلة النازحين ورهان اسرائيل على تحوّلها إلى مشكلة مذهبية وسياسية في الداخل اللبناني.
المفاوضات لن تتوقف. اسرائيل مقتنعة بذلك. والحرب لن تتوقف وهي مصممة على ذلك. ولبنان دخل في مرحلة استنزاف وابتزاز. أي حديث عن الانسحاب سيكون ثمنه غالياً. هكذا تعمل اسرائيل. كنا في الخط الأصفر فتجاوزته إلى أبعد ولا شيئ يمنعها من الذهاب أبعد أي ما بعد ما بعد هذا الخط. مع بداية المفاوضات كان الحديث عن الانسحاب المنتظر يدور حول منطقة الخط الأصفر، مع استمرار المفاوضات والتوغلات سيكون الأمر أصعب. تمارس اسرائيل الابتزاز للانسحاب من مسافات صغيرة بعد أن تكون قد دمّرت كل شيئ. تمنع العودة. تمنع إعادة الإعمار. والأسرى في السجون. وبالتالي إذا، إذا تمّ التوصل لأي اتفاق بأي أعجوبة يأخذ الأمر سنوات طويلة ليستكمل الانسحاب إذا حصل، وتكون اسرائيل قد حققت الكثير من أهدافها في لبنان والمنطقة. خطورة هذا الأمر هي في ما يلي:
1- اسرائيل من جهتها ستبقى تعمل لعدم حصول اتفاق بين أميركا وإيران بمعزل عن شمول لبنان به أم لا. المسألة مبدئية. تريد استكمال الحرب على إيران حتى النهاية وهي التي ورّطت ترامب بها وستتحكم به الآن رغم محاولاته للتحرّر والخروج من المأزق الذي وقع فيه. وفي حال اضطرت اسرائيل للقبول باتفاق ولو مرحلي فلن تقبل أن يشمل لبنان. لن تبقى أن تكون في موقع القادر على الفعل والتهديد في كل المنطقة من تل أبيب إلى إيران، واليمن والعراق وسوريا، والضفة وغزة، والأردن مصر، وتركيا، وتبقى “قلقة” على باب بيتها، مهدّدة بالمسيّرات والصواريخ والعمليات من الأرض اللبنانية. هذا أمر غير وارد ولو طالت الحرب سنوات.
2- في أميركا ثمة من يؤيدها ويمارس ضغطاً على ترامب ويحرّضه ضد العرب أكثر من التحريض ضد إيران. مسألة إيران “تحصيل حاصل” لكن اي اتفاق معها يجب أن يمر عبر إسرائيل. إسرائيل هي الأساس. هذا عملياً يسقط صورة ترامب وإدارته وقدرته على توقيع اي اتفاق من جهة ويكشف لبنان أكثر فأكثر ويفرّغ المفاوضات بينه وبين اسرائيل من جهة أخرى من أي مضمون. أصلاً إسرائيل لا تريد مفاوضات برعاية أحد. تريدها مباشرة مع لبنان من دون وسيط أو شاهد حتى لو كان منحازاً لها!
3- الانقسام الداخلي اللبناني هو أبرز نقطة قوة في الموقف الاسرائيلي في استهداف لبنان. حتى الرئيس السنيورة الذي كان ولا يزال رأس حربة في الموقف من “حزب الله” تعرّض لانتقاد قوي من قبل كثيرين في المجالس والعلن وخصوصاً من دوائر رئيس الحكومة الذي رعاه السنيورة لفترة طويلة ووقف إلى جانبه. لماذا؟ لأن السنيورة قال: “لبنان قام بخطوة متقدمة لكن إسرائيل لم تلتزم وأميركا لم تلتزم ولم تقدّم اي دعم حقيقي للبنان لكي يتمكن من الاستمرار في هذه العملية التفاوضية. للحكومة أن تستعمل ورقة الانسحاب من المفاوضات تأميناً للوصول إلى وقف جدي للنار! سيكون موقفاً سليماً إذا اتخذ من قبل الحكومة خصوصاً أن اسرائيل تقوم باكثر من 120 غارة يومياً، وأعتقد أن ليس بالامكان أن تستمر الحكومة في هذا الموقف الذي تجبر فيه على المفاوضات في ظل استمرار القتل وعمليات التدمير المستمر وإطلاق النار. والذين انتقدوا رئيس الجمهورية لأشهر طويلة بعد انتخابهم له ولو تحت الضغط والتدخل الخارجي، يشيدون به اليوم لأنه اتخذ قرار التفاوض المباشر مع اسرائيل لكنهم غير مرتاحين للارتياح الأميركي والغربي له على إقدامه. يعملون على أكثر من خط لوضع مزيد من الأثقال على كتفيه وبين يديه. يطلقون سهاماً ضد قائد الجيش، ويمارسون كل أشكال التحريض ضد المؤسسة العسكرية. يمارسون النميمة في الداخل وفي كل أروقة مراكز القرار الأميركي تحريضاً ودفعاً للأمور نحو خيارات مدمّرة للبلاد. يعتبرون أن اللحظة لحظتهم وهم واهمون لا يتعلمون بل لا يريدون أن يتعلموا.
هم والرئيس السنيورة وغيرهم مرّوا بتجارب كثيرة مع أميركا واسرائيل والنتائج كانت مخيّبة. لعبة الدول هي هكذا. لكنهم يعتبرون أن لعبتهم أقوى وأنجح وهم أذكى. بعض هؤلاء “سَكِرَ” على قرار العقوبات التي استهدفت محيط الرئيس بري. ثم ذهب كثيرون إلى التوقف عند إعلان الأخير رفضه دعوة الشيخ نعيم قاسم “إسقاط الحكومة”. وقال علناً: “لا نقول هذا الكلام. لا نقبله. لسنا معه”. والكل يعلم أن موقفه ليس جديداً. سبق أن رفض علناً النزول إلى الشارع. ومنع أنصاره من ذلك. وغطّى كل قرارات الحكومة المتعلقة بحزب الله. وتمايز في أكثر من موقف. كل ما طلبه: وقف إطلاق النار وهو ما يطالب به رئيس الجمهورية والوفد المفاوض ورئيس الحكومة “في التصريحات والبيانات”. وهو ما دفع الرئيس السنيورة إلى قول ما قاله، فلماذا إطلاق النار المستمر على بري وصولاً إلى حديث “العلماء” “والخبراء” وكبار المطّلعين على الخفايا والأسرار والتقارير المؤكدة لاسيما “الأسرار الإلهية” عن أن أمامه أشهراً قليلة ليغادر هذه الحياة؟ لماذا هذا الحقد؟ وإلى اين يؤدي هذا الإفلاس ؟
في أصعب أيام الحرب التي عشت كل مراحلها وأطلعت على الكثير من الخفايا والأسرار وخلفيات مواقف الأطراف المختلفة والتداخل بين الخارج والداخل وكنت صوتاً مدافعاً عن رأي فريق وازن في البلاد كنت أقول: “لا يفرحنّ أحد لقتل وتغييب آخر!” الكل خاسر “المطحنة يجب أن تتوقف”. الكل عاش هذا الفرح في محطات معينة أما لبنان واللبنانيون فلم يحصدوا إلا المآسي والقلق والخوف وخسروا أغلى ما عندهم. وأزعم أنني تعلمت الكثير إلى جانب الزعيم الوطني الكبير وليد جنبلاط في مسيرته الطويلة التي رواها في كتابه “قَدَرٌ في المشرق” فهل يجوز ألا يكون “قَدرٌ” من الرغبة والميل والقرار لنتعلّم من تجارب القَدَر؟ ونحن نتغنّى بـ”الخصوصية اللبنانية”، وعلى سيرة “الخصوصية اللبنانية” ووليد جنبلاط الحريص على حمايتها برمزيتها وفرادتها ونكهتها وميزتها في صون وحدة لبنان ومنع تفتيته وتفكيكه كما تريد اسرائيل منذ زمن طويل، وفي سياق رؤية استراتيجية لتفكيك كل المنطقة وتحويلها إلى “محميات” أذكر ما يلي:
– في مرحلة خلاف عميق مع القيادة السورية حول كثير من الأمور تفاقم بعد رفضه المشاركة في حرب المخيمات، كنت على طاولة العشاء مع وليد بك في المختارة بعد عودته من لقاء عدد من المسؤولين في دمشق، كان منزعجاً قاسياً في التعبير عن موقفه، مستاء من الضغط الذي يمارس عليه، تشعّب النقاش حول مواقف القوى السياسية اللبنانية وصولاً إلى أطراف الفريق الذي كنا نسمّيه ” الفريق الانعزالي “. وليد بك لم تفارقه الخصوصية اللبنانية وأساسها الخصوصية الجبلية ولم تنقطع اتصالاته ومحاولاته للوصول إلى تفاهمات تضمن عودة المهجرين وبالتالي “خصوصية الجبل” إلى ما كانت عليه. في سياق الكلام وخيبته من طريقة تفكير وتعامل ورهانات كثيرين في هذا الفريق ضرب يده على الطاولة الزجاجية وقال: “لا يفهمون عليّ. أبحث عن شريك ولا أجده”. أصرّ لاحقاً على إطلاق أول مؤتمر لعودة المهجرين. ثم اقام استقبالاً جبلياً حاشداً لجثمان الرئيس الراحل كميل شمعون في دير القمر بما يليق بأصالة أهل الجبل وعاداتهم وتقاليدهم، بعد انتهاء حالة التمرّد في بعبدا وشعور داني شمعون بالخطر على حياته وقبل أسبوع من اغتياله عرض عليه وليد بك استضافته في المختارة. ثم كان مؤتمر عودة المهجرين واستشهاد أنور الفطايري. ثم لاحقاً وعندما سمحت الظروف كانت المصالحات في القرى التي توّجت بالمصالحة الكبرى في المختارة بشراكة تامة مع البطريرك صفير، دون أن ننسى أنه رغم الخلاف مع رموز الفريق المذكور رفض وليد بك “النفي والإبعاد” وانفتح على كثيرين.
– لحظة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأمام حسابات “الدولة” أن المسألة تنتهي بعد ثلاثة أيام حداد، قاد وليد جنبلاط الانتفاضة الشعبية الكبرى متهماً النظام السوري بالاغتيال فأدى موقفه إلى تكوين مناخ كبير فرض خروج الجيش السوري من لبنان وفي الطريق خروج سمير جعجع من السجن. وأمام مشهد انقسام خطير في البلد ذهب إلى السيد حسن نصرالله وكنت معه وقال : “لا بد من فعل شيئ. يجب ألا تغفل من موقعك وضع الشريك السني في البلاد الذي يشعر بضربة قوية وخسارة كبيرة باغتيال الرمز الأبرز في تاريخه”. طرح فكرة الاتفاق على رئيس جديد للجمهورية تنقذ البلد، تحفظ خصوصية “الشريك المصاب” “المأزوم” “الغاضب” وخصوصية الجمهورية. لم يرتح كثيرون لما قام به لكنه كان يقدم بحكمة وعقلانية لحماية الثوابت ومنع انزلاق البلد إلى ما هو أخطر.
للأسف لم تنجح محاولته. لكنه لم يتخلّ عن جوهر قناعاته بفهمه للخصوصية اللبنانية ولذلك كان ولا يزال من دعاة الحوار والتواصل بحثاً عن المشترك وتجنباً لتجارب الماضي والغرق في الرهانات على لعبة الخارج التي تطيح بكل شيئ !! اليوم وأمام اصعب المراحل والمخاطر التي يعيشها لبنان وتهدّد ليس مستقبله فقط بل مستقبل كل المنطقة في الاندفاعة الإسرائيلية غير المسبوقة يطل وليد بك مجدداً بموقف مميز من قلب التجربة اللبنانية والتجربة الشخصية والتمسّك بثابث “الخصوصية اللبنانية” منتقداً نفسه حيث أخطأ، مدركاً أخطاء الآخرين بسوء التقدير والتدبير محاولاً تجنيب لبنان الخطر الكبير “لا للوقوع في خطيئة التقدير المضاد” “والتعميم” واستهداف “الشيعة كشيعة” وهم مكوّن اساسي في البلاد. هم جزء من “الخصوصية اللبنانية” اياً يكن الخلاف مع “حزب الله” أو التباين مع غيره. وقد استهدف الجبل في مرحلة معينة وكانت له كلمته وموقفه في حينه وتأكيد ثوابت قيادته لاحقاً بالحوار والمصالحة أيضاً. اليوم الوضع أكثر حساسية ودقة وخطورة وبالتالي يتطلب مسؤولية أكبر ومستوى عال من الوعي والصبر والاستيعاب. “الخصوصية الشيعية” جزء من “الخصوصية اللبنانية”. ابناؤها لبنانيون. قدّموا الكثير للبنان ولا مكان لهم إلا على أرضهم فيه. وهم جزء أساس من التركيبة الداخلية التي ينبغي تحصينها. الحقد مرض قاتل. الغباء مرض قاتل. التهوّر والاندفاعات غير المحسوبة نتائجها قاتلة ولذلك يطلق صوته ودعوته في الداخل والخارج إلى مزيد من الحكمة والتبصّر مع تأكيد ثوابته السياسية التي يعبّر عنها بوضوح لناحية دعم قرارات الحكومة، ومسار التفاوض، والانتباه إلى الأفخاح الاسرائيلية لتجنّب المطبات، وأساس ذلك وحدة الموقف الداخلي على المستوى الرسمي وعلى المستوى السياسي ولو بالحد الأدنى. حِمل العقل ثقيل. وكلمته مكلفة. لكن لا شيء أعلى منه وأغنى منها.