العرب في إسرائيل .. هل يتحولون إلى بوابة لمن يحكم إسرائيل؟
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –
لم تعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مجرد سباق جديد بين بنيامين نتنياهو وخصومه على رئاسة الحكومة ، فالمعادلة الأكثر إثارة قد تكون في مكان آخر: ماذا سيفعل نحو خُمس سكان إسرائيل العرب بأصواتهم، وهل سيتحول تمثيلهم البرلماني من قوة احتجاجية إلى قوة قادرة على تحديد هوية الحكومة المقبلة؟
فالانتخابات القادمة ستكون الأولى بعد السابع من أكتوبر ومع اقتراب موعدها ستكون معادلة نتنياهو السياسية أكثر تعقيدًا مما توحي به قدرته الطويلة على البقاء ، فحزب الليكود استعاد في بعض استطلاعات أغسطس الحالي الصدارة، ووصل في أحد أحدث الاستطلاعات إلى 24 مقعدًا مقابل 23 لحزب ” يشَر ” بزعامة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت ، الا انه اي نتنياهو في سؤال الشخصية الأنسب لرئاسة الحكومة: 41% مقابل 34% لايزنكوت لكن هذه الأرقام لا تعني أن نتنياهو اقترب من تشكيل حكومة جديدة ، فالمشكلة الأساسية ليست من يتصدر، وإنما من يستطيع جمع 61 مقعدًا ، ومتوسط الاستطلاعات الحديثة وضع معسكر نتنياهو في حدود 49-52 مقعدًا، مقابل 56-60 للأحزاب الصهيونية المعارضة، إضافة إلى نحو 10 أو 11 مقعدًا محتملًا للأحزاب العربية ، وهنا تبدأ أهمية العرب من ” أقلية” إلى بيضة القبان حيث يمثل العرب نحو 21% من سكان إسرائيل، أي ما يقارب خُمس السكان ، لكن وزنهم السياسي لا يقاس بعدد السكان فقط وإنما بنسبة مشاركتهم في الانتخابات وبقدرتهم على تحويل أصواتهم إلى مقاعد ، التجربة السابقة تقدم درسًا واضحًا: عندما توحدت الأحزاب العربية في ” القائمة المشتركة ” وصلت إلى 15 مقعدًا في انتخابات 2020، بينما أدى الانقسام لاحقًا إلى تراجع تمثيلها ، كما ارتفعت المشاركة العربية إلى 64.8% في انتخابات 2020، قبل أن تهبط إلى 44.6% في 2021 مع تفكك القائمة المشتركة ، وهذا يعني أن المعركة العربية الحقيقية ليست فقط بين الأحزاب، بل حول قدرتها على رفع نسبة التصويت العربي ومنع ضياع الأصوات بسبب الانقسام أو عدم تجاوز نسبة الحسم.
المفارقة هنا أن هذه الأحزاب، وهي الأقرب إلى بعضها في كثير من القضايا وبخاصة القضية الفلسطينية و القضايا المدنية والحقوقية تبدو عاجزة عن الاتفاق على صيغة انتخابية موحدة وهنا انا مضطر للعودة الى تجربة القائمة المشتركة ومحاولة احيائها ، لكن المفاوضات بين حدَاش و” العربية للتغيير” و ” بلد ” انهارت في أغسطس بعد خلاف حول ترتيب المرشحين، فيما بقيت ” رعام ” بقيادة منصور عباس خارج الاتفاق ، وتشير استطلاعات الراي إلى أن تحالف ( حدَاش-العربية للتغيير-بلد ) يمكن أن يحقق نتائج أفضل من خوض الأحزاب منفردة، بينما تواجه ” بلد ” خطر عدم تجاوز نسبة الحسم إذا خاضت الانتخابات وحدها.
وهنا اود الاشارة الى ان هناك اختلاف جوهري في الرؤية فمنصور عباس لا يريد فقط زيادة عدد النواب العرب؛ بل يريد تحويل ” رعام ” إلى حزب عربي قابل للمشاركة في صناعة القرار الحكومي، وهذا ما يفسر رفضه العودة إلى قائمة عربية موحدة إذا كانت ستغلق أمامه أبواب الائتلافات المستقبلية.
لقد سبق لعباس أن كسر حاجزًا تاريخيًا عندما دخلت ” رعام ” الحكومة عام 2021، لتصبح أول قوة عربية مستقلة تشارك رسميًا في ائتلاف حكومي إسرائيلي ، واليوم يحاول إعادة إنتاج التجربة، ولكن بشروط أقوى.
التطور الأكثر إثارة في الأسابيع الأخيرة هو خروج النائب في ” يش عتيد ” يوآف سيغالوفيتش من الحزب، مع الحديث عن انضمامه إلى ” رعام ” ، سيغالوفيتش ليس سياسيًا عاديًا فهو ضابط شرطة سابق وارتبط اسمه بمكافحة الجريمة المنظمة، كما تولى ملف مكافحة الجريمة في المجتمع العربي خلال حكومة بينيت-لابيد.
استطلاع للقناة 13 أظهر أن انضمامه المحتمل إلى ” رعام ” يمكن أن يرفع تمثيلها من خمسة إلى سبعة مقاعد ، وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أن تحالف ( حدَاش-العربية للتغيير وبلد ) يمكن أن يصل إلى ثمانية مقاعد ، والأهم من الأرقام أن سيغالوفيتش قد يمنح ” رعام ” شيئًا يتجاوز المقعد البرلماني بمعنى يمنحه قدرًا أكبر من الشرعية داخل المعسكر اليهودي المعارض كشريك محتمل في الائتلاف وهذه هي لعبة عباس .
والسؤال المفصلي هنا هل يستطيع العرب إسقاط نتنياهو؟
الإجابة: ليس بمفردهم، ولكن ربما لا يستطيع خصوم نتنياهو تشكيل حكومة من دونهم ،
أحد أحدث متوسط ارقام للاستطلاعات أعطى الأحزاب العربية 11 مقعدًا، مقابل 56 للأحزاب الصهيونية المعارضة و54 لمعسكر الحكومة ، وفي معظم الاستطلاعات تتجاوز المعارضة، إذا أضيفت إليها الأحزاب العربية، حاجز 61 مقعدًا ، لكن هناك عقبة كبيرة الا وهي ان جزء من أحزاب المعارضة، وخصوصًا أحزاب يمين الوسط، لا يزال يرفض حكومة تعتمد رسميًا على حزب عربي غير صهيوني، وهنا تصبح ” رعام ” أمام خيارين: اما المشاركة المباشرة في الحكومة، أو تقديم دعم من الخارج مقابل اتفاق سياسي ومدني واضح.
والخيار الثاني قد يكون أكثر واقعية إذا بقيت الحساسية الإسرائيلية تجاه مشاركة حزب عربي في الحكومة مرتفعة.
في خضم كل ماسبق يبقى نتنياهو عقبة كأداء اما قوة العرب في الكنيست القادمة رغم تراجع قوة معسكره مقارنة بما كان عليه، لذلك اعتقد انه لا ينبغي التعامل مع نتنياهو باعتباره في طريقه الحتمي إلى الرحيل ، فهو لا يزال يتصدر في عدد من الاستطلاعات، والليكود يستعيد الصدارة في بعضها ، كما يتفوق نتنياهو على أيزنكوت وبنيت في سؤال من هو الأنسب لرئاسة الحكومة لكن مشكلته الأساسية هي أن الفوز النسبي لا يكفيه ، فهو يحتاج إلى إعادة بناء ائتلاف قادر على تجاوز حاجز 61 مقعدًا، في وقت تتعرض فيه خريطة اليمين نفسها لإعادة تشكيل ، ولهذا قد تكون انتخابات أكتوبر معركة على ” من يستطيع تشكيل الحكومة ” أكثر من كونها استفتاءً على ” من يفوز ” ، اما العرب فهم أمام لحظة تاريخية للمرة الأولى منذ سنوات، ولهذا قد لا يكون السؤال: كم نائبًا عربيًا سيدخل الكنيست؟
بل الأهم هل يستطيع هؤلاء النواب أن يقرروا من يدخل مكتب رئيس الحكومة؟
إذا نجحت الأحزاب العربية في تجاوز خلافاتها ورفع نسبة التصويت، فقد تصل إلى كتلة من 10-13 مقعدًا وفق السيناريوهات الحالية ، وإذا بقيت منقسمة، فقد تخسر جزءًا من قوتها، خصوصًا إذا فشلت بعض القوائم في تجاوز نسبة الحسم ، أما ” رعام ” ، فقد تكون أمام اختبار تاريخي آخر: هل تتحول من تجربة استثنائية في حكومة 2021 إلى نموذج دائم للحزب العربي الذي يشارك في صناعة القرار الإسرائيلي؟
في هذه الحالة، لن تكون الأحزاب العربية مجرد ” أقلية برلمانية ” ، وقد يصبح منصور عباس، أحد السياسيين القادرين على تحديد اسم رئيس الحكومة المقبل، سواء كان نتنياهو أو خصمه ، وهنا تكمن المفارقة الكبرى في انتخابات 2026: قد يكون مستقبل نتنياهو في يد خصومه اليهود، لكنه قد يكون ايضا ولاول مرة في تاريخة السياسي في يد الناخب العربي وهي لحظة تاريخية لا يتمناها نتنياهو ، وربما تكون بالنسبة له اشبه بكاس السم الذي تجرعه الخميني عندما قبل بقرار وقف الحرب على العراق عام 1988 !!