يوميات سجين برتبة رئيس دولة
بقلم: حمزة عليان

النشرة الدولية –
يوميات رئيس أكبر دولة أوروبية في السجن دوَّنها في كتاب، بعدما عاش عشر سنوات من التحقيقات و14 أسبوعاً بمحكمة الجنح في باريس، وثلاثة أسابيع في سجن لاسانتيه.
لحظة نقله كموقوف إلى السجن استرجع مشهداً مؤثراً، يوم انتُخب رئيساً للجمهورية الفرنسية في مايو 2007 لمدة خمس سنوات. أما يوم 21 أكتوبر 2025، فقد كان أكثر حزناً وخالياً من المجد، ففي هذا اليوم كان عليه دخول السجن ليقضي عقوبته، نتيجة مؤامرة حِيكت في الخفاء، لفبركة تهمة حصوله على تمويل من ليبيا لحملته الرئاسية.
حمل الرقم 11 في زنزانة منفردة، وهي مسكنه الجديد، بمساحة لا تزيد على 12 متراً مربعاً، ومن حُسن حظه أن فيها نافذتين محصَّنتين بحواجز من القضبان والشبك.
في «مذكرات يوميات سجين»، التي كتبها نيكولا ساركوزي، وبجرأة غير مسبوقة، يعتبر أن كل القواعد في دولة القانون انتهكت، لأن مبدأ قرينة البراءة- كما يصفها حرفياً- نُسف من أساسه.
يسجل ملاحظة لافتة في كتابه الصادر عن دار نوفل، ومن الناشر الأصلي (هاشيت أنطون)، وهي انتشار الهواتف المحمولة بداخل السجن شديد الحماية.
يتحدَّث السجين نيكولا ساركوزي عن استقلالية القضاء وإيمانه به، لكن الناس غالباً ما ينسون أن استقلالية القضاء وحياده صنوان لا يمكن التفريق بينهما.
اشتريت الكتاب بناءً على نصيحة من أستاذة جامعية كويتية، وقرأته بشغف، للاطلاع على تجربة رئيس فرنسي وهو في السجن. توقفت في آخر يوم له في السجن، لنتعرَّف على مشاعره وتجربته، فماذا قال؟ «شعرت بالارتياح لسماعي ممثل النيابة العامة يُطالب بالموافقة على إخلاء سبيلي»؟ سأل نفسه: «لماذا زُج بي في السجن؟»، لكنه استجمع قوته، وأراد أن يُثبت براءته، وأوضح الصعوبة التي عانى منها في تحمُّل السجن. كان الفرق شاسعاً بين الأمل بصدور قرار الإخلاء، وبين سماعه يُتلى بعد ثلاثة أسابيع بدت دهراً.
لم يختلف مشهد خروجه من السجن عن مشهد مجيئه إليه، دخل السجن بصفته رئيس دولة، وغادره بالمكانة نفسها. تجمهر الناس وعشرات المصورين والصحافيين والكاميرات، وفتحت دراجات الشرطة الطريق أمامه.
ما عاشه لم يكن يُصدَّق. خُلاصة تجربته تقول إنه لم يرغب في أن يهدي إلى أعدائه دقيقة واحدة أخرى من حياته. وضع عبارة بين قوسين في ختام اليوميات، يقول فيها: «اكرهوني ما شئتم، سأحيا رغماً عنكم. احبسوني ما شئتم، سأحيا رغماً عنكم، لن تتمكنوا من سلب حياتي أبداً».
لكن بقي عنده وعد أخير يبدو غريباً، وعد قطعه على نفسه في ظُلمة السجن، أنه إذا خرج من هذا الجحيم، فسيذهب إلى مدينة لورد، مدينة الرجاء والشفاء والمعجزات، ليرى المرضى واليائسين، وليقضي معهم يومهم. اكتشف «لورد» قبل أشهر عندما قرأ رواية الكاتب إيميل زولا، وتحمل اسم «Lourdes»، فهو- أي ساركوزي- مَدين لها بصموده.