تداعيات أزمة هرمز: سرعة مفاجئة في الحلول وارتفاع الكُلف
بقلم: أنس بن فيصل الحجي

بعد شهور من أزمة هرمز، اقتنعت الحكومات والشركات بضرورة اعتماد سياسات محددة لتعزيز أمن الطاقة، ويتوافق هذا التحول مع توقعات عرضتُها منذ مارس (آذار) الماضي في مقالات ومقابلات عدة، ولم تكن المفاجأة في السياسات والإجراءات نفسها، بل في سرعة تنفيذ بعضها وإنجازه، وهو ما أثار الإعجاب أيضاً.
ومن أبرز الأمثلة عودة الصادرات السعودية بقوة عبر “هرمز”، وسرعة تنفيذ الأنبوب الثاني في الإمارات وإنجازه، وزيادة الطلب على ناقلات النفط الكبيرة، وتركز مقالة اليوم على سرعة تنفيذ الحلول وإنجازها.
أولاً: مصدُرو النفط
لم يكن متوقعاً اعتماد حل لأزمة التصدير بهذه السرعة، فقد أدت هجمات “الحرس الثوري” الإيراني على السفن وارتفاع كُلف استئجارها وتأمينها والمخاوف الأمنية، إلى إحجام مئات السفن عن دخول الخليج، وكان الحل بيع النفط في خليج عُمان، حيث تصل الناقلات لتسلّمه، ولإيصاله إلى هناك تُحمّل سفن بالنفط على نفقة دول الخليج، وتعبر الممر العُماني بعد إطفاء أجهزة التتبع، ثم تنقل حمولتها إلى ناقلات أخرى في خليج عُمان، ويقول الأميركيون إن العملية تحصل بحماية أميركية، وقد أعادت هذه الخطة صادرات النفط الخام لمستويات قريبة من مستويات ما قبل الأزمة، لكنها حمّلت الشركات الخليجية كُلف نقل مرتفعة إلى خليج عُمان، فلم تعد تحصل إلا على جزء من سعر البيع.
ومع ذلك يتيح ارتفاع الأسعار حالياً عوائد معقولة لدول الخليج والعراق، فعندما يبلغ سعر النفط 115 دولاراً للبرميل أو أكثر، تصل عوائدها إلى ما بين 70 و 80 دولاراً للبرميل، والخلاصة أن تصدير النفط شهد ابتكاراً في أساليب البيع، استند إلى تطوير طرق معروفة تاريخياً استخدمتها شركات الشحن لتفادي العقوبات على إيران وروسيا وفنزويلا، وأتاح ذلك تسويق النفط بسهولة وانسيابية فاجأتا الجميع، وستُدرّس هذه الأساليب في الكليات المتخصصة، وتُضاف إلى الخبرات المتراكمة لشركات التسويق والشحن، بخاصة أن هذه العمليات تتطلب تنسيقاً محكماً وإدارة واعية ومتقدمة.
ثانياً: إنشاء أنابيب لتجاوز مضيق هرمز
أدت الحرب العراقية – الإيرانية والتهديدات المستمرة للملاحة آنذاك إلى إدراك باكر لأخطار هرمز، ومن ثم إنشاء أنابيب شرق – غرب في السعودية لنقل النفط والمنتجات النفطية من الخليج إلى البحر الأحمر، وخط حبشان – الفجيرة في الإمارات، وقد أدت هذه الأنابيب دوراً تاريخياً في تخفيف الأزمة خلال الشهور الأخيرة، لكن محور هذه المقالة هو سرعة تحرك السعودية والإمارات والعراق للبحث عن بدائل لهرمز، تشمل أنابيب جديدة، مع حديث عن خطوط من الكويت وربما قطر.
كذلك اتخذت أبو ظبي قراراً سريعاً وحاسماً بإنشاء أنبوب موازٍ للخط القديم، يتيح للإمارات تجاوز هرمز بالكامل، ويجري بناؤه حالياً مع توقع بدء تشغيله منتصف العام المقبل، أي بعد نحو ثمانية أشهر، وبصرف النظر عن الحسابات الأمنية، يتمتع الخط بجدوى اقتصادية كبيرة، إذ يوفر على ناقلات النفط يومين من الملاحة، وتزداد هذه الوفورات حالياً مع ارتفاع كُلف شحن الناقلات العملاقة إلى أكثر من 10 أضعاف، لكنها تظل كبيرة حتى في الظروف العادية.
وتخطط السعودية لزيادة سعة الأنابيب التي تتجاوز مضيق هرمز من 7 إلى 10 ملايين برميل يومياً، على الأرجح ببناء خط عبر الربع الخالي إلى ميناء الدقم في عُمان، وتحسين قدرات الضخ في الخطوط القائمة، وقد أعلن وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان خلال “مؤتمر الطاقة العالمي” في الرياض في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خططاً لبلوغ هذه السعة خلال عامين إلى ثلاثة أعوام، وكذلك أشار إلى إمكان تحويل خط غاز محلي موقتاً لنقل النفط من الخليج إلى البحر الأحمر، وأكد الرئيس التنفيذي لـ”أرامكو” أمين الناصر أن الشركة تدرس مسارات إضافية للأنابيب، وإذا اكتملت خطط إنشاء الأنبوب من المنطقة الشرقية في السعودية إلى ميناء الدقم في عُمان، فمن المتوقع طرح خطوط من الكويت ترتبط به.
أما العراق فيخطط لإنشاء أنبوب من البصرة باتجاه الشمال الغربي إلى الحديثة، بطول 1000 كيلومتر وسعة مليوني برميل يومياً، وتدرس لجان متخصصة جدواه قبل توقيع عقد الإنشاء، ويتفرع في الحديثة إلى ثلاثة خطوط: إلى تركيا للتصدير عبر ميناء جيهان، وسوريا عبر ميناء بانياس، والأردن عبر ميناء العقبة.
ومن الاستجابات السريعة لـ “أزمة هرمز” زيادة الضخ في الخط المار عبر تركيا، ونقل النفط بمئات الشاحنات عبر سوريا إلى بانياس، وقد تجاوزت الصادرات عبر المسارات البديلة لهرمز أخيراً 400 ألف برميل يومياً، وقد يستغرق إنشاء الخط إلى الحديثة وامتداداته إلى الدول الأخرى أعواماً عدة.
ثالثاً: تخزين النفط قرب من الأسواق
تخزن “أرامكو” السعودية و”أدنوك” الإماراتية النفط قرب الأسواق في بعض الدول المستهلكة لأغراض تشغيلية، وتشمل مواقع تخزين “أرامكو” أوكيناوا في اليابان، وكوريا الجنوبية وهولندا ومصر، بينما تخزن “أدنوك” النفط في الهند واليابان وكوريا وسنغافورة، وتشير الخطط الحالية إلى توجه السعودية والإمارات ودول نفطية أخرى لتوسيع التخزين في دول مختلفة، وقد أُعلن عن توسع “أرامكو” في اليابان وسنغافورة، وكذلك يُتوقع أن تخزن شركة “سومو” العراقية النفط في عُمان.
لقد بات واضحاً أن دولاً مستهلكة كثيرة ستنشئ مخزونات إستراتيجية، وأن الدول التي تمتلكها ستوسعها، فالهند توسع مخزوناتها حالياً، بينما تنص الخطة الأميركية على رفع المخزون من 282.5 مليون برميل حالياً إلى 700 مليون برميل بعد انتهاء الأزمة، وتمتلك الصين مخزونات ضخمة وطاقة تخزينية تفوق مستوياتها الحالية بكثير، ويُتوقع أن تزيد وارداتها ومخزوناتها بمجرد انخفاض أسعار النفط إلى مستويات مناسبة للتخزين.
وخلاصة القول إن أسواق النفط بعد هرمز تختلف تماماً عمّا قبل هرمز، ومظاهر هذا التحول كثيرة وجرى ذكر بعضها أعلاه، والمشكلة أنها كلها تعني زيادة في الكُلف، ومن ثم ارتفاع الأسعار مع تضخم عالمي.