شتاءٌ بلا نوافذ… زيارةٌ حوارية إلى دارة المسنّين

كتب الدكتور سمير محمد ايوب –
في هذا اليوم التشريني الممطر، جئتك مبكرا يا شيخنا، رغم لسعة البرد. تماما كما اتفقنا بالأمس. لنبدء صباح يوم جمعتنا هذه، بشيء مما يُحبه الله ورسوله وخيارُ كل الناس وكِرامهم. هيا نبدأ زيارتنا الى بيتٍ للمسنين، لنفطر وإياهم كما اتفقنا: مناقيش زعتر، ولبنة جرشية وجبنة بلدية وبيض والكثير من الزيتون الاخضر والاسود، والحمص والفول والفلافل، ناهيك عن المربيات والزبدة البلدية، دون ان ننسى الشاي بالنعناع والشاي بالمريمية وخبز الطابون الساخن.
أجبته فرحا: والله يا ابن الرومي، إنها لساعة مباركة من الله. ستكون زيارة لقلوبنا نحن، قبل قلوب ساكني تلك الداره. نذهب لنُواسيهم، فنعود ونحن المُواسون.
هيا، هات يدك، لنتحرك فورا على بركة الله ، إلى ضاحية الفحيص، في مشارف عمان الغربية.
ركبنا سيارتي القديمة، انا خلف مقود القيادة وضيفي بجانبي. وعلى الكرسي الخلفي أكياس كثيرة ممتلئة بما كنا نظنها حاجات ملحة للكبار، أمهات وآباء، من طعام وملبس وزينة، كتب ودفاتر واقلام، علب من الشاي والقهوة والبسكويت، والكعك والفطائر وكمية كبيرة من لوازم افطار اسري شهي، وفق اصول كل يوم جمعة، بين الأبناء والأحفاد.
وفي الطريق قال لي ضيفي: أستحي والله من أمهاتنا وآبائنا هناك. ماذا نقول لهم؟! وبأي وجوه نقابلهم؟ أنا خجِلٌ وجِلٌ من دمعهم، وموجِ الوجعِ الجاري في عيونهم وفوق السنتهم.
أجبته وانا مثقل بوجعي من عقوق كثيرين ممن اعرف، وممن لا أريد ولا يُشرفني أن أعرف, يا ابن الرومي لن نقول شيئاً كثيرا لهم، بل سنستمع كثيرا لهم. وحدتهم لا تريد كلاماً كثيرا منمقا، كل ما تريده آذانا تصغي بانتباه، وتنصت بحب، واهتمام صادق.
سرعان ما وصلنا. بيتا هادئا أبيضا، يرقد على تلة مرتفعة، تطل على مدينة السلط في البعيد. والمطر يطرق نوافذ السيارة كأنه يستأذن لنا، دخلنا الدارة عبر البوابة الرئيس. كانت المديرة في استقبالنا بابتسامة متعبة. قالت وهي ترحب بنا: جزاكم الله كل خير، أغلب الأهالي والزوار لا يأتون يوم الجمعه، وخاصة بمثل هكذا طقس، يدَّعون بأنهم مشغولون بصغارهم ومع صغارهم.
أنصتنا للمديرة وهي تشرح لنا في مكتبها، عن الدارة وخدماتها، ومساعداتها يجهزن النزلاء لحفل افطار جماعي معنا. المديرة أرملة متقاعدة من كوادر وزارة التربية والتعليم. مجموع أولادها وبناتها خمسة، كل منهم يقيم مع أسرته الصغرى في بيته، متفرقين في مناحي عمان الكبرى.
بعد فرحة الإفطار الجماعي مع النزيلات والنزلاء في قاعة الطعام، وهم عشرة قلوب، عشرة وجوه، سبع نساء وثلاثة رجال، كلهم في الثمانين وبعضهم تجاوز، انتقلنا جميعا الى ردهة بها مدفأةٌ صغيرة، حولها كراسيّ كثيرة متقاربة، وعلى الكراسيّ وجوهٌ كأنها صفحاتٌ قديمة، كُتب عليها كل شيء إلا اسم من يزورها.
لاحظت رجلا عجوزا يجلس وحيدا بعيدا عن الجمع، ينظرعبر النافدة التي تحاذيه الى الساحة الداخلية للدارة، دون أن يلتفت إلينا. إتجهنا على الفور اليه. إنكسر قلبي حين رأيت كَمَّ القلق والحيرة التي تتجول في عينيه، وفي عيني ضيفي ابن الرومي. حييناه معا، ورفضنا أن يقف لنسلم ونتعرف عليه ونسأله عن أحواله. وهنا رأينا سيدة طاعنة في السن، تشير لنا، ذهبنا اليها مباشرة، حييناها بحرارة واستأذناها في الجلوس بين يديها.
أم يوسف: تفضّلا يا ولداي، المقاعد كثيرة والزوّار قليلون. (تبتسم) أنتما أول من يطلب الإذن منذ زمن. حتى أولادي كانوا يجلسون دون أن يسألوني.
سألها ضيفي: وكم لكِ هنا يا خاله؟
أم يوسف: ثلاثة شتاءات. لا أعدّ الأشهر، بل أعدّ الشتاءات، فالبرد وحده يعلّمني كم مرّ من الوقت. في الصيف يتشابه كل شيء، أما في الشتاء فأتذكّر كل شيء.
فسألتها وان ابتسم لها: وماذا تتذكّرين يا خالة؟!
تمدأم يوسف يديها نحو المدفأة وتجيبني قائلة: أتذكّر أن هاتين اليدين كانتا تعجنان الخبز قبل الفجر لسبعة أفواه. كنتُ أضع فرن الخبز في الشتاء قرب النافذة، كي يدفأ الأولاد من رائحته، قبل ناره. ويوسف، إبني البكر، كان يمسك ذيل ثوبي ويقول: «يمّا، لا تتركيني». فما تركته يومًا. (تصمت قبل ان تعاود القول) وهو اليوم يعيش في الطرف الآخر من المدينة، وقد نسي أن الطريق إليّ ليس بعيدًا.
فعاودت سؤالها مستغربا: ألا يتّصل بك؟!
أم يوسف: اتّصل في أول عيدٍ بعد أن جاء بي إلى هنا. ثم قال إن الأشغال كثيرة. وأنا أقول له عبركم: ليكن، المهم أن تكون بخير. هذه هي الأمومة يا شباب، تصلّي لمن نسيها. (تمسح دمع عينها بطرف الوشاح) لكن أرجوكما إن كنتما تعرفانه، أن لا تنقلا له شيئًا من هذا، فقلبي يحمل له ما يكفي من الأعذار.
في الزاوية البعيدة من القاعة، كان قلب آخر ينتظرنا، رجلٌ طويل القامة، محنيَّ الظهر، يحدّق في هاتفٍ قديم لا يرنّ يمسك به. اقتربنا منه والقينا عليه التحية: صباح الخير يا عم.
الحاج عبد الرحمن: وهو يرد تحيتنا (يرفع الهاتف قليلًا) وهو يسأل أتريا هذا؟ أنا أشحنه كل صباح، ولا أدري لماذا اشحنه؟! ربما لأنني أخاف أن يتصلوا بي فيجدوه ميتًا. أن يموت الهاتف أهون عليَّ من أن يموت الأمل.
سأله ضيفي: كم لك من الأبناء يا والدي؟!
الحاج عبد الرحمن: أربعة. مهندسٌ وطبيبة ومحامٍ وصبيّة تعمل في بلدٍ بعيد. علّمتُهم جميعًا، وبعتُ أرضي كي يدرس الطبيب في الخارج. وحين بعتُها قلتُ: الأرض تعود، أما العلم فيبقى. (يضحك ضحكةً قصيرة كانها بكاء) وقد بقي العلم يا ولدي، وعادت الأرض لغيري، ولم أعد أنا لأحد.
فسألته وسؤالي مثقل بالغضب الصامت: وماذا قالوا حين جاؤوا بك إلى هنا؟!
الحاج عبد الرحمن: قالوا: هنا رعايةٌ طبية يا أبي، ونحن مشغولون. ولم يدرون إن الرعاية التي كنتُ أحتاجها، هي أن يجلس أحدهم معي ساعة، ويسألني عن حكايةٍ سمعوها مني مئة مرة، فيصغون كأنها المرة الأولى. أترى؟ الطبّ يا ولدي يعالج الجسد، أما الوحدة فلها طبيبٌ واحد: أن يكون حولك من تحب.
اقتربتُ من نافذةٍ وراءها حديقةٌ مبلّلة. هناك قرب النافذة، جلس قلب امرأةٌ نحيلة، تضمّ إلى صدرها دمية قماشٍ باهتة.
بادرها ابن الرومي بسؤالها: ما اسم دميتك يا خالة؟!
أم سلمى: (بصوتٍ خافت) «سلمى». هي ابنتي الصغيرة. قد تقول إنها دمية، لكنها كانت لسلمى، وحين كبرت سلمى وسافرت تركتها عندي وهي توصيني بها: احتفظي بها يا أمي حتى أعود.
سألتها وانا ابادل ضيفي نظرات تعز على الوصف: ومتى سافرت؟!
أم سلمى: قبل عشر سنين. وما زلتُ أحتفظ بها. (تنظر إلى الدمية) أنا لا أطلب شيئًا، لا أريد مالًا ولا هدايا. أريد أن أسمع كلمة «يا أمي» مرّةً واحدة، بصوتٍ حيّ لا بصوت الذاكرة. الذاكرة يا ولدي تشبه تلك المدفأة الضعيفة، تدفئ اليد ولا تدفئ القلب.
عاودت سؤالها وصوتي مثقل باستنكار حزين: وتنتظرينها؟!
أم سلمى: أنتظرها كما تنتظر الأرض المطر في ايلول. وهي تبتسم بحزن تتابع: الانتظار هو العمل الوحيد الذي بقي لي، وأنا أتقنه يا ولدي.
والقلب الاخر من تلك القلوب الموجوعة المفجوعة: كان قلب أم أحمد ربة بيت لم تعمل في وظيفة، بل كانت قد كرست كل حياتها لوحيدها احمد. جلستُ بجانبها وصديقي قُبالَتها. سألتني: أانت ولدي؟! إنك تشبه إبني أحمد، كان قد سافر لكندا للدراسة منذ عشرين عاما، ولم يعد من حينها. منذ أن رحل أبوه قبل سنوات، وقلبي كل يوم جمعه وفي كل عيد ومناسبة، يسمعه يَعِدُني: أنه سيتصل بي ولا يفعل.
ونحن، ضيفي وأنا نحتضن كفيها الباردتين، قلنا لها بصوت واحد: نحن الآن أحمد إبنك يا خالتي، جئناك مهرولين ومشتاقين ومستغفرين. فبكت. لم تبك دمعا، بل سيلا من وجع وحُزْن. وقالت ترجونا: بس بدي أسمع صوته.
فأخرج ضيفي هاتفه وأسمعها أغنية قديمة لأم كلثوم، كانت تحبها. فغفت على كتفي وهي تبتسم، كأمي. ومن ثم أعطيتها دفتراً صغيراً وأقلاما. فقالت: سأكتب فيه دعاء لك كل يوم.
ثم انتقلنا إلى قلب رجل طويل يجلس قبالتها وينصت لحوارنا مع أم احمد، أبو ضافي رجل عريض المنكبين، كان لأكثر من ثلاثين عاما، مربيا ومعلماً لكثير من الأجيال. قال لي: أنا لا أريد هدايا، أريد أحداً يلعب معي طاولة زهر. منذ أكثر من عامين، حين أدخلتني ابنتي وأخوها الأصغرمنها إلى هنا، لم أمارس لعبتي المفضلة مع أحد، أصابعي ترتجف ولا يصبر علي أحد.
جاءونا بالزهر، فجلست قبالته ولاعبته، وتعمدت الخسارة أمامه ليربح ويفرح. فقلت له: الله الله! ما شاء الله، ما زلت معلماً يا أستاذ. فضحك ضحكة طفل، ضحكة لم تسمعها جدران هذه الدارة منذ شهور. وقال لنا: أنا لا أغضب من أولادي لأنهم وضعوني هنا، أنا ممتلء بحزن غاضب، لأنهم لم يزورونني ليعرفوا إن كنت ما زلت حياً أرزق، أم رحلت، أوعلى الأقل مرضت.
أشارت علينا الممرضة التي ترافقنا إلى أن ننتقل إلى خالتي سارة، لننصت لقلبها هي الاخرى. الخالة تجلس وحدها لا تتكلم. قيل لنا أنها فقدت النطق بعد وفاة زوجها. فشلت كل محاولات إنطاقها. اقتربنا منها، وحييناها وسلمنا عليها وقبلنا رأسها. لم نكلمها. جلسنا قبالتها، وأخرج ضيفي زجاجة مسك صغيرة كانت معه، ووضع نقطة عطر منها على يدها. فبدأت ترتل سورة الضحى بصوت جميل خافت: وحين وصلت الى: “ما ودعك ربك وما قلى” نطقت فجأة، بعد سنة من الصمت المطبق، وقالت: “ولا الآخرة خير لك من الأولى”. بكينا حميعا، وحمدنا الله وشكرناه بصوت عال..
في تلك اللحظة دخلت ممرضةٌ ثانية شابة، تحمل أدوية الصباح. همست لنا: كثيرٌ منهم يسألني كل يوم: «هل اتصل أحد؟» وأجيبهم: «ليس بعد». ثم أذهب إلى الغرفة المجاورة وأبكي كثيرا. لا أستطيع أن أكذب عليهم، ولا أستطيع أن أصدق ما أقول.
فسألها ضيفي مستنكرا: وحتى في العيد؟!
أجابته الممرضة بحزن بيِّنٍ: في العيد يا سيدي، نعلّق الزينة ونوزّع الحلوى، لكن الصمت أثقل من كل زينة. يجلسون عند الباب منذ الصباح، يرتدون أجمل ما عندهم، وحين يغيب الضوء، يعودون إلى غرفهم دون أن يقول أحدٌ شيئًا. أصعب ما أراه ليس المرض، بل ثياب العيد على أجسادٍ لا يزورها أحد.
عدتُ إلى المدفأة. كان الحاج عبد الرحمن قد وضع هاتفه جانبًا، وأم يوسف تغفو على كتف كرسيّها. سألني الحاج وهو ينظر إلى النار: أتدري يا ولدي ما أقسى ما في الشتاء هنا؟!
سألناه بصوت واحد ضيفي وانا: ما هو يل حاج؟!
أجب الحاج عبد الرحمن وغيم الدمع يتجول في عينية: ليس البرد، فالبرد يُدفَع بالأغطية. أقسى ما فيه أنه يذكّرني كيف كنا نجتمع حول مدفأةٍ واحدة، وأطفالي يتزاحمون على حضني، وأنا أقول في نفسي: هؤلاء هم عمري كلّه. وها أنا اليوم أجلس إلى مدفأةٍ أكبر، وحولي أناسٌ كثيرون، ولا أحد منهم لي.
سالته وكل حزن الدنيا يعشش في اعماق روحي: وماذا تتمنى ان تقول لأبنائك لو سمعوك؟!
الحاج عبد الرحمن: (بعد صمتٍ طويل) لا أقول لهم شيئًا من اللوم. أقول فقط: أنا لم أطلب أن تعطوني عمركم، إنما ساعةً منه. ساعةٌ في الأسبوع، يا ولدي، ثمن رغيفٍ من الدفء. فمن ضنّ بساعةٍ على أبيه او أمه، لن يجد يومًا من يمنحه ساعةً إذا جاء دوره. وأدار مسجلة كانت في حضنه وأسمعنا رائعة وديع الصافي: دار يا دار، قولي لي يا دار، راحوا فين حبايب الدار، وسمعت كل من كان موجودا معنا في الصالة، بقلوب مرتحفة يرددون معا: فين فين، قولي لي يا دار!.
خرجتُ من الدار والدمع الساخن يسيح على خدودنا ويتساقد من فوق لحانا. كنا صامتين. والمطر ما زال يطرق شبابيك السيارة. التفتُّ إلى النوافذ من حولنا، فرأيتُ خلف كل واحدةٍ منها، شيخًا أو عجوزًا يحدّق في الفراغ، وفي يده هاتفٌ صامت، أو دميةٌ قديمة، أو ذكرى لا تنطفئ.
وفكّرتُ: إن في كل بيتٍ شتاءٌ ينتظرنا، وأنّ الأبناء الذين يتركون آباءهم وأمهاتهم في برد الوحدة، إنما يزرعون لأنفسهم شتاءً مثله. فما أرخص الساعة التي نمنحها اليوم، وما أغلى ما نحتاجه غدًا.
ساعتها قال لي ضيفي ابن الرومي، جملة لن أنساها: يا أخي، ما جئنا هنا لنخفف عنهم وحدتهم، بل والله جئنا لنرى مستقبلنا، إذا نسينا أن نبر آباءنا اليوم.
عدنا إلى عمان، لكن قلوبنا بقيت هناك. هناك على تلك التلة. يا من تقرأ كلامي الآن: اذا كان لك أم أو أب، عاجِل بتقبيل يدهما ورأسهما الآن، وإذا كان هناك مسن في حارتك، زُر بيت المسنين ولو مرة في الشهر، لا تأخذ معك ذهباً، خذ معك وقتاً. الوقت هو أغلى هدية للمسن، لأنه الوحيد الذي لم يعد يملك وقتاً كثيراً. فجبر خاطر مُسن بزيارة، خيرٌ من ألف صدقة بلا قلب.
وإياك أن تَنسى في أي ظرف من الظروف أن رب العزة، رب كل الناس، هو من يقول لك ولي وله ولها، صبح مساء: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا». فمن لا يَرحم أصله، لا ينتظر أن يُرْحم.

زر الذهاب إلى الأعلى