ماذا تخبئ روسيا من أدوار؟
بقلم: طوني فرنسيس

اختتمت موسكو خلال الأسبوع الأخير من الشهر الماضي سلسلة مشاورات ومؤتمرات إقليمية ودولية، كرست من دون ضجيج، دوراً لم تتضح أبعاده بعد في إيجاد الحلول للمشكلات الدولية القائمة، بدءاً من المشكلة الروسية – الأوكرانية، وصولاً إلى الأزمة الأميركية – الإيرانية وتشعباتها.

توجت موسكو سلسلة نشاطاتها بالقمة الروسية – الأفريقية الثالثة، وكانت على مدى أشهر وأسابيع شاركت في سلسلة نشاطات إقليمية، أبرزها أخيراً المحادثات الأميركية – الروسية، وانعقاد الاجتماع التقليدي بين روسيا ومجلس التعاون الخليجي وزيارة وزير الخارجية سيرغي لافروف طهران مباشرة بعد الاجتماع.

ومن حيث الضخامة، برز في سلسلة التحركات هذه الاجتماع الروسي – الأفريقي (منتدى روسيا – أفريقيا) الذي عُقد للمرة الثالثة في روسيا بمشاركة وفود من 48 دولة من أصل 54 دولة أفريقية.

وفي التحليلات الروسية أنه من منظور جيوسياسي “يعد المنتدى دليلاً واضحاً على التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، وترسيخ مكانة أفريقيا كمركز قوة مستقل، إذ يمثل المنتدى الأداة الرئيسة لكسر إستراتيجية عزل روسيا من قبل الغرب، وتعزيز تحالفات طويلة الأمد مع دول الجنوب العالمي”.

ولم تغب المنافسة الصينية في أفريقيا عن بال المعنيين الروس الذين يجمعون أن موسكو لا تتحدى بكين داخل القارة، ولا في غيرها من جهات العالم.

من الواضح أن الحليفين الروسي والصيني لا يتنافسان داخل أفريقيا، بل يسعيان إلى تقسيم إستراتيجي للعمل بينهما، إذ تتكامل كفاءاتهما وقدراتهما في القارة.

إن الهدف المشترك المعلن لموسكو وبكين هو بناء عالم متعدد الأقطاب، والحد صراحة من النفوذ الغربي (وبخاصة نفوذ الولايات المتحدة وفرنسا) داخل المنطقة.

وتمتلك الصين موارد مالية هائلة، فيما تقدم موسكو للدول الأفريقية ما تتجنبه الصين تقليدياً من التعاون العسكري التقني المباشر ونشر الـ”مستشارين” العسكريين، فضلاً عن تقنيات متطورة في مجالات الطاقة النووية السلمية (وهو ما تختص به شركة ’روساتوم‘) إضافة إلى مسائل مراقبة الفضاء.

لا يثير الاهتمام الصيني والروسي مشكلات بين الطرفين مثلما حصل بين الروس والفرنسيين مثلاً، وهذا عنصر إضافي يصب في أسباب موقف القوة الروسية في عالم اليوم، ويزداد هذا الموقف أهمية وثباتاً وفعالية مع تنامي العلاقات الروسية بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين، والتي بلغت ذروة لافتة مع اتفاق الديزل والحديث عن بدء محادثات روسية – أوكرانية برعاية أميركا خلال أيام في أبوظبي.

روسيا، في الواقع ليست خلال الوقت الحالي الشريك الاقتصادي الرئيس للقارة الأفريقية، لكن ذلك لا يمنع الرهان المستقبلي الروسي على جزء من الكرة الأرضية بات يسمى مستقبل العالم، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين روسيا وأفريقيا 27 مليار دولار خلال عام 2025، فيما يبلغ بين الولايات المتحدة وأفريقيا نحو 40 مليار دولار وفقاً لبعض التقديرات، بينما يبلغ ذلك الرقم بالنسبة إلى الصين نحو 350 مليار دولار.

لا تطمح روسيا إلى خوض سباق مع الصين حول من يتولى القيادة داخل أفريقيا، بل تحاول الاستفادة من الحضور الصيني للمضي في تعزيز خطوط تأثيرها، بما يحقق في الوقت ذاته مصالحها الأفريقية ويعمق علاقاتها الإستراتيجية مع الصين، وهو ما يسمح لها بتعزيز حضورها في وضع الحلول لأزمات العالم المتعددة، وبمزيد من تطوير علاقاتها مع الولايات المتحدة الأميركية.

وكان لافتاً خلال الآونة الأخيرة مدى تطور خطاب الغزل الثنائي الأميركي – الروسي، خصوصاً بعد صفقة الديزل، وخلال اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في أتلانتا تمهيداً لاجتماع المجموعة على مستوى القمة منتصف الشهر المقبل.

وإثر مشاركته في هذه الاجتماعات، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن أمله في التوصل إلى اتفاقات قابلة للتنفيذ ضمن مجموعة العشرين، في ظل ما وصفه بـ”الرئاسة الأميركية البراغماتية” للمجموعة.

وقال لافروف “نعتقد أن هناك فرصاً للتوصل إلى اتفاقات سيجري تنفيذها في ظل الرئاسة الأميركية التي أؤكد أنها براغماتية”.

تقارب مع أميركا وإشادة بها، وتقارب راسخ مع الصين، وعلاقات وطيدة بدول الخليج العربي وإيران، ثم تتويج أعوام من العمل المشترك مع أفريقيا بحضور مميز للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ماذا تخبئ روسيا من أدوار؟ الأيام المقبلة ستكشف عن كل شيء.

زر الذهاب إلى الأعلى