أحمد الطيبي والسخرية السياسية.. لسان لاذع ولغة نارية
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –

الغد –
من السهل فهم طبيعة الاشتباك الذي يخوضه النائب العربي في الكنيست أحمد الطيبي مع رموز اليمين الإسرائيلي، إذا اكتفينا بالنظر إلى الكلمات الحادة والعبارات الساخرة التي يتبادلها مع إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش وتالي غوتليف، ولكن المسألة أبعد من مشادات برلمانية أو سجالات شخصية، فنحن أمام ظاهرة سياسية ولغوية تستحق التوقف والتحليل، لأنها تكشف كيف يمكن للكلمة أن تتحول إلى أداة مقاومة نفسية ورمزية، وكيف يصبح استخدام لغة الخصم نفسه وسيلة لمنازعته على الهيبة والسلطة.

الطيبي لا يواجه خصومه باللغة السياسية التقليدية وحدها، بل يستخدم العبرية العامية، بأمثالها وتعبيراتها الساخرة ومفرداتها الحادة وكأنه يريد أن يقول لليمين الإسرائيلي إنكم لا تحتكرون اللغة ولا تملكون امتياز تحديد قواعد المواجهة، إنه يتحدث بلغتهم، ويفهم ثقافتهم، ويعرف مكامن الحساسية في خطابهم، لكنه لا يتحدث من موقع شخص يستجدي الاعتراف أو يخشى التهديد، بل من موقع منازلة سياسية وتحد داخل مؤسستهم التشريعية.

خذ مثلاً عبارة «عوفي عوفي»، التي يستخدمها في مخاطبة تالي غوتليف، وهي في العبرية صيغة أمر للمؤنث ومعناها بالعربي «طيري طيري»، لكنها في سياق المشادة تعني عملياً: ابتعدي أو انصرفي، وتحمل أحياناً دلالة أكثر خشونة تقترب من «انقلعي» بلهجتنا الأردنية أو الفلسطينية، وقد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تحمل رسالة سياسية تتجاوز معناها الحرفي وهو «لن أتعامل معك باعتبارك صاحبة سلطة تستطيعين فرض نبرة الحديث أو إخافتي بمنصبك وصوتك المرتفع، فانا احتقرك ولا اراك كاملة العقل».

أما عبارة «كل كلب بيجي يومه»، التي وجهها الطيبي إلى بن غفير في 13 مارس/آذار 2024، رداً على تبرير الأخير قتل الطفل رامي حمدان، ابن الثانية عشرة من مخيم شعفاط، فهي أكثر كثافة من الناحية الرمزية، إنها مثل شعبي يستدعي فكرة أن القوة والبطش والاستعلاء ليست أبدية، وأن لكل متجبر لحظة حساب، هنا لا تكمن أهمية العبارة في قسوتها، بل في الرسالة التي تحملها ، الا وهي لا حصانة دائمة لمن يمارس التهديد والبطش بحكم القوة ، ولا يمكن تحويل القوة السياسية والأمنية إلى امتياز أبدي فوق المساءلة.

لكن المفارقة أن الطيبي لا يجعل الشتائم والسخرية مركز خطابه، بل ينتقل أحياناً إلى مستوى أعمق بكثير حين يضع خصومه أمام مسألة الهوية والتاريخ والوجود، ففي لقائه بالرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين في سبتمبر/أيلول 2019، قال إن العرب ليسوا ضيوفاً في هذه البلاد، وإنهم أصحاب الأرض، وإنهم لم يأتوا إليها مهاجرين وهنا يقصد «اليهود الصهاينة الذين جاءوا من الخارج»، وان العرب هم أصحاب الأرض والتاريخ فيها وعليها، وهذا خطاب شجاع للغاية ويستكمل بعبارة أو شعار آخر وهو «إحنا أصحاب الأرض» وهي عبارة لا تعني المطالبة بميزانية أو وظيفة أو مساواة في الخدمات، وإنما رفض لاختزال الفلسطينيين داخل إسرائيل في جماعة سكانية مطالبة بإثبات ولائها باستمرار، أو الاعتذار عن هويتها الوطنية، إنها مواجهة مباشرة مع الرواية التي تحاول جعل وجود الفلسطينيين مسألة مرتبطة بقبولهم من الأكثرية، لا بحقهم التاريخي في أرضهم، ومن الناحية النفسية يمكن فهم هذا الأسلوب من خلال مفهوم «كسر الهيبة»، فالسياسي الذي يستخدم الصراخ والتهديد واتهامات الإرهاب والخيانة يريد غالباً وضع خصمه في موقف دفاعي، ودفعه إلى التبرير أو الصمت أو التراجع، لكن الطيبي يحاول قلب المعادلة.. يرد بالسخرية، وباستخدام اللغة الشعبية وهذا يعمل على إضعاف الخصم نفسيا وينتزع منه الشعور الطاغي بالقوة، وبدلاً من أن يبقى العربي موضوعاً للاتهام، يصبح الطرف الآخر نفسه موضع مساءلة وسخرية، ولا يعني ذلك أننا نستطيع الجزم بما يحدث داخل نفس بن غفير أو غوتليف، لكن الأثر السياسي المحتمل لهذا الخطاب واضح: إرباك صورة التفوق والتشكيك بها، ومنازعة الخصم على السيطرة على المشهد، وإجباره على مواجهة خطاب لا يخضع تلقائياً لشروط التخويف التي يحاول فرضها، وهنا تظهر أهمية الجمهور الإسرائيلي الذي يشاهد هذه المواجهات، فالطيبي لا يخاطب زملاءه في الكنيست وحدهم، بل يخاطب مجتمعاً يعرف لغته وتعبيراته، ويحاول أن يثبت أمامه أن النائب العربي ليس شخصية هامشية يمكن إسكاتها أو اخافتها ودفعها إلى الزاوية ـو إرهابها، إنه يستخدم العبرية لا للاندماج على حساب هويته، بل لمواجهة من يريدون احتكارها، ويستخدم السخرية لا لمجرد الإضحاك، بل لنزع القداسة عن خطاب القوة وتقزيم قيمته العنصرية.

إن تجربة أحمد الطيبي واسلوبه في المواجهة تفتح باباً مهماً لفهم طبيعة الصراع داخل الكنيست بل في كل الأرض الفلسطينية: إنه ليس صراعاً على المقاعد والقوانين والأصوات وحدها، بل هو صراع على اللغة ومن يملك حق تسمية الأشياء، وعلى الهيبة ومن يفرضها، وربما تكون الرسالة الأعمق في هذا الخطاب أن الفلسطيني لا يريد أن يكون مجرد نائب عربي يسمح له خصمه بالكلام، ولا مواطناً مطالباً بتقديم شهادة حسن سلوك في كل مناسبة، ولا ضيفاً ينتظر الإذن بالبقاء، إنه صاحب هوية ورواية وحق متعدد الجوانب، وهنا تحديداً تتجاوز المسألة أحمد الطيبي نفسه، فحين تصبح اللغة سلاحاً في مواجهة الإقصاء، لا تعود الكلمات مجرد أصوات تتردد تحت قبة البرلمان، وإنما تتحول إلى ساحة أخرى من ساحات الصراع على الكرامة والوجود والاعتراف.

زر الذهاب إلى الأعلى