«الجريدة» الكويتية.. نجاح الإدارة التي أدركت أن المستقبل الرقمي لا يلغي قيمة الورق

النشرة الدولية – كتب طلال السُكرّ –
كم كانت سعادتي كبيرة، ولا أستطيع وصفها بالكلمات، عندما أخبرني الزميل العزيز الأستاذ يوسف عبد الله، بأن جريدة «الجريدة» الكويتية ما زالت تصدر بنسختها الورقية، محافظةً على حضورها في المشهد الإعلامي، في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتراجع فيه إصدارات ورقية عديدة أمام زحف المواقع الإخبارية والمنصات الإلكترونية.
لم يكن الخبر بالنسبة لي مجرد معلومة عن استمرار صدور صحيفة، بل كان مناسبة للتأمل في قدرة بعض المؤسسات الإعلامية على الصمود والتكيف والتجدد، وفي الدور الذي تؤديه الإدارة الواعية في الحفاظ على هوية المؤسسة ومكانتها، من دون أن تغفل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الإعلام.
إن استمرار «الجريدة» الكويتية في إصدار نسختها الورقية يستحق الإشادة، لأنه يعكس تحديًا إداريًا واقتصاديًا ومهنيًا في آن واحد. فالمواقع الإخبارية تتمتع بمزايا كبيرة، في مقدمتها سرعة النشر، والوصول إلى الجمهور على مدار الساعة، وانخفاض كثير من تكاليف التشغيل مقارنة بالصحف المطبوعة، التي تتحمل أعباء الورق والطباعة والتوزيع والتخزين، فضلًا عن التكاليف التشغيلية الأخرى.
ومع ذلك، يبدو أن إدارة «الجريدة» تدرك أن التطور الرقمي لا يعني بالضرورة التخلي عن الصحافة الورقية، بل يفرض إعادة التفكير في كيفية إدارتها وتطويرها، والاستفادة من الإمكانات التي تتيحها التكنولوجيا، مع المحافظة على المنتج الصحفي المطبوع وقيمته لدى قرائه.
حضور رقمي يعكس أهمية الجمع بين المنصتين
إن النظر إلى مستقبل الصحافة لا يكتمل من دون التوقف عند الحضور الإلكتروني للمؤسسات الصحفية، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في قدرتها على المنافسة والاستمرار.
وتشير التقديرات الرقمية المتداولة لعام 2026 بشأن موقع «الجريدة» الكويتية إلى أن متوسط الزيارات الشهرية قد يتراوح بين 1.8 و2.2 مليون زيارة، فيما يُقدّر عدد الزوار الفريدين بنحو 600 ألف إلى 750 ألف زائر شهريًا. وإذا تأكدت هذه التقديرات من خلال أدوات قياس موثوقة، فإنها تعكس حجم الفرصة التي يوفرها الحضور الرقمي للمؤسسة الصحفية، وقدرتها المحتملة على الوصول إلى جمهور واسع ومتجدد.
وتكشف هذه الأرقام، في حال صحتها، عن أهمية الموقع الإلكتروني بوصفه نافذة يومية للتواصل مع القراء، وليس مجرد نسخة إلكترونية من الصحيفة المطبوعة. فالموقع يتيح متابعة الأخبار فور وقوعها، وتحديث المعلومات باستمرار، والوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور داخل الكويت وخارجها.
كيف يصل القراء إلى موقع «الجريدة»؟
وفقًا للبيانات المقدمة بشأن مصادر الزيارات، يتوزع الوصول إلى الموقع على النحو الآتي:
48% من محركات البحث: وهي النسبة الأكبر، بما يشير إلى أهمية ظهور الأخبار والتغطيات الصحفية في نتائج البحث، وقدرة المحتوى على جذب القراء المهتمين بقضايا محددة.
35% من الزيارات المباشرة: وهي نسبة تعكس، إذا ثبتت دقة البيانات، أهمية الجمهور الذي يصل إلى الموقع مباشرة عبر كتابة عنوانه أو استخدام الروابط المحفوظة.
14% من وسائل التواصل الاجتماعي: وتأتي منصة «إكس» في مقدمة مصادر الزيارات الاجتماعية وفقًا للتقديرات المذكورة، تليها منصات مثل فيسبوك وواتساب.
وتكشف هذه المؤشرات عن حقيقة مهمة في الإعلام الحديث؛ فنجاح المؤسسة الصحفية لم يعد مرتبطًا بانتشار نسختها المطبوعة وحده، بل بقدرتها على بناء حضور متكامل في محركات البحث والمنصات الاجتماعية والفضاء الرقمي عمومًا.
ومع ذلك، ينبغي التنبه إلى أن النسب المذكورة يبلغ مجموعها 97%، ولذلك تبقى 3% من حركة المرور غير موضحة في البيانات المقدمة، كما أن نسب مصادر الزيارات تحتاج إلى التحقق من مصدرها وتاريخ قياسها قبل اعتمادها بوصفها أرقامًا رسمية.
من هم قراء «الجريدة» في العالم الرقمي؟
وتتضمن التقديرات المتداولة أيضًا مؤشرات ديموغرافية عن جمهور الموقع، إذ يُقدّر توزيع الزوار بحسب الجنس بنحو 63% من الذكور و37% من الإناث، بينما تمثل الفئة العمرية من 25 إلى 34 عامًا نحو 33% من الجمهور، تليها الفئة من 35 إلى 44 عامًا بنسبة تقارب 22%.
وإذا أكدت أدوات التحليل المعتمدة هذه المؤشرات، فإنها ستوفر للإدارة تصورًا مفيدًا عن طبيعة الجمهور الذي يتابع محتوى الجريدة إلكترونيًا، والموضوعات التي تجذب اهتمامه، والوسائل الأنسب للوصول إليه.
لكن الأهم من الأرقام ذاتها هو كيفية توظيفها في اتخاذ القرارات التحريرية والتسويقية؛ فمعرفة الجمهور تساعد على تطوير المحتوى، وتحسين تجربة التصفح، واستهداف الإعلانات بصورة أكثر فاعلية، وبناء علاقة مستدامة مع القراء.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية الإدارة الحديثة التي لا تعتمد على الخبرة وحدها، ولا تكتفي بالمحافظة على التقاليد المهنية، بل تجمع بين الخبرة الصحفية والتحليل الرقمي والتخطيط الاقتصادي.
لماذا لا تزال الصحافة الورقية تستحق البقاء؟
على الرغم من كل ما تقدمه المواقع الإخبارية من سرعة وانتشار، فإن الصحافة الورقية لا تزال تمتلك خصائص تجعلها مختلفة عن المنصات الرقمية. فالصحيفة المطبوعة تقدم تجربة قراءة أكثر هدوءًا، وتتيح للقارئ تصفح الموضوعات والتحقيقات والتحليلات بعيدًا عن الإشعارات والمشتتات المستمرة.
كما أن الصحافة الورقية تحتفظ بقيمة أرشيفية وتوثيقية، وتمنح المواد المنشورة سياقًا تحريريًا متكاملًا، وتبقى لدى بعض القراء جزءًا من عاداتهم اليومية والثقافية.
ولا يعني ذلك أن الورق أفضل دائمًا من الشاشة، أو أن المواقع الإخبارية أقل قيمة؛ فلكل وسيلة خصائصها وجمهورها ومزاياها. إنما تكمن الحكمة في إدراك أن الوسيلتين يمكن أن تتكاملا، وأن المؤسسة القادرة على إدارة هذا التكامل قد تمتلك فرصًا أوسع للاستمرار.
ومن هنا، فإن الإشادة باستمرار «الجريدة» الكويتية في إصدار نسختها الورقية لا تنفصل عن أهمية تطوير موقعها الإلكتروني وتعزيز حضوره، لأن مستقبل الصحافة يتطلب الجمع بين سرعة الإعلام الرقمي وعمق المعالجة الصحفية، وبين الانتشار الواسع والمصداقية المهنية.
الإدارة الناجحة هي التي تتكيف ولا تتخلى عن هويتها
إن ما يستحق التقدير في تجربة أي صحيفة تحافظ على إصدارها الورقي في ظل هذه المنافسة هو قدرتها على التعامل مع التحديات بعقلية مرنة، بعيدًا عن الجمود أو الاستسلام للتحولات الجديدة.
فالإدارة الإعلامية الناجحة لا تكتفي بمراقبة تراجع الصحافة المطبوعة في بعض الأسواق، بل تبحث عن الأسباب، وتراجع التكاليف، وتطور مصادر الإيرادات، وتستثمر في الكفاءات، وتعيد صياغة العلاقة مع الجمهور والمعلنين.
كما تدرك أن الموقع الإلكتروني ليس مجرد منافس للصحيفة، بل يمكن أن يكون رافدًا لها، وأن التحليلات الرقمية ليست مجرد أرقام تُعرض في التقارير، بل أدوات تساعد على فهم الجمهور وتحسين الأداء وتوجيه الموارد بصورة أكثر كفاءة.
وإذا كانت التقديرات المتعلقة بموقع «الجريدة» تشير إلى ملايين الزيارات الشهرية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الحضور إلى قيمة تحريرية واقتصادية مستدامة، تعزز قدرة المؤسسة على تطوير مختلف منصاتها، بما فيها النسخة الورقية.
لقد أسعدني خبر استمرار صدور «الجريدة» الكويتية ورقيًا، وأعاد إليّ التفاؤل بقدرة الصحافة المطبوعة على مواصلة حضورها، متى توافرت لها الإدارة الواعية والرؤية المتجددة والمحتوى الذي يحترم عقل القارئ ويستحق ثقته.
نرفع القبعة تقديراً لجريدة «الجريدة» الكويتية، ولإدارتها والعاملين فيها، على مواصلة العمل في بيئة إعلامية شديدة التنافسية، تجمع بين تحديات الاقتصاد التقليدي ومتطلبات التحول الرقمي.
والشكر موصول للزميل العزيز الأستاذ يوسف عبد الله، الذي نقل إليّ هذا الخبر السعيد.
إن استمرار الصحيفة الورقية في عصر الإنترنت ليس انتصارًا على التكنولوجيا، بل دليل على أن المؤسسة التي تحسن إدارة التحول تستطيع أن تجعل من التكنولوجيا فرصة للتجدد، لا سببًا للتراجع.
فالصحافة الحقيقية لا تقاس بالورق الذي تطبعه، ولا بعدد الزيارات التي تحصدها مواقعها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء الثقة، وصناعة الوعي، وتقديم المعلومة الموثوقة. والمؤسسة التي تنجح في الجمع بين هذه القيم والحضور الرقمي المتطور تملك فرصة حقيقية للحفاظ على مكانتها في المستقبل.