ميار الشربجي: حين تعزف الطفولة لحن الضاد

رولا عبد القادر الذهبي –
وسط كل هذا الصخب الذي يلفّ عالمنا، وتلك العتمة التي تحاول خنق هويتنا، يخرج أحياناً نورٌ مباغت يُربك المشهد ويعيد ترتيب نبض قلوبنا. أجمل ما يمكن أن تراه العين، وأعذب ما يمكن أن يشئف الآذان، هو أن تقف طفلة صغيرة، كفراشة واثقة اسمها ميار الشربجي، لتعتلي منصة الشرف وتنتزع المركز الأول في تحدي القراءة العربي.
حين سمعناها تتحدث، لم نكن نسمع مجرد طفلة تسرد ما حفظته من بطون الكتب؛ بل كنا نستمع إلى سيمفونية حية أعادت لأرواحنا الاعتزاز والفخر بلساننا العربي المبين. بصوتها الواثق وعينيها اللامعتين بحب المعرفة، استطاعت هذه الطفلة الاستثنائية أن تبث الحياة من جديد في يقيننا بأن لغتنا الأم، لغة القرآن الخالدة، لم تكن يوماً مجرد قوالب جامدة أو حروف صامتة، بل هي موسيقانا الروحية الخالدة، وإيقاع هويتنا الذي لا يبهت ولا يموت.
كانت كلماتها أشبه بدعوة صادقة، دافئة ونابعة من قلب بريء، صرخة حب توجهت بها إلى أمة بأكملها: أحبوا لغتكم! التفتوا إلى جمالها، احتضنوها؛ فكلما منحتموها من شغفكم ووفائكم، فاضت عليكم من أسرارها وبيانها أكثر وأكثر. إنها رسالة بليغة من طفلة لقنت الكبار درساً في الوفاء لجذورهم وثقافتهم.
ولا يسعنا أمام هذا الإنجاز البهي إلا أن نحيي بكل تقدير واعتزاز تلك الرؤية الثقافية الرائدة التي تقودها دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال “تحدي القراءة العربي”. هذه المبادرة الاستثنائية التي تثبت عاماً بعد عام أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في العقل واللسان، وأن الهدف الأسمى والأنبل هو حفر حب اللغة العربية في نفوس هذه الأجيال الصاعدة، لتبقى لغتنا حية، شامخة، وقادرة على قيادة ركب الحضارة كما كانت دائماً.
هنيئاً لميار، وهنيئاً للضاد بهذا الجيل الذي يبشر بأن لغتنا لن تُهزم ما دام في صدور هؤلاء الصغار هذا العشق الصادق وهذا الإيمان العظيم.