عيد ميلاد سوسن مهنا… حين تُزهر الحرية امرأة، وتكتب الريح قصيدةً اسمها الحياة

النشرة الدولية –

ليست كلُّ الأسماء تُنادى… فبعضها يُستحضر كما تُستحضر الأوطان، وتُكتب كما تُكتب القصائد، ويُحتفى بها لأنها اختارت أن تكون موقفًا قبل أن تكون لقبًا، ورسالةً قبل أن تكون حضورًا، وحريةً قبل أن تكون صوتًا.
وحين يكون الحديث عن الإعلامية، سوسن مهنا، فإن اللغة تضيق بما فيها من حروف، وتستدعي كل ما فيها من بلاغة، لأن بعض الشخصيات لا تتسع لها عبارات التهنئة العابرة، ولا تختصرها الكلمات المألوفة. هناك من يعبرون الحياة، وهناك من يعبرون التاريخ… وأنتِ يا سوسن من أولئك الذين يتركون في ذاكرة الزمن أثرًا يشبه الخلود.
في عيد ميلاد، سوسن،لا نحتفل بإضافة عامٍ إلى عمرك، بل نحتفل باستمرار شعلةٍ لم تعرف الانطفاء، وبنبض قلبٍ لم يتصالح يومًا مع الخوف، وبصوتٍ بقي، رغم ضجيج العالم، وفيًّا للحقيقة، منحازًا للكرامة، مؤمنًا بأن الحرية ليست خيارًا بين الخيارات، بل جوهر الوجود، وشريعة الأرواح الكبيرة، والميثاق الذي لا يخونه إلا من خان نفسه.
لهذا كنتِ، وما زلتِ، الثائرة منذ الأزل وحتى الأبد.
فانتِ لا تُساومين على مبدأ، ولا تُهادنين ظلمًا، ولا تنحنين إلا لله. امرأةٌ كلما حاولت العواصف كسر أشرعتها، صنعت من الريح طريقًا جديدًا نحو الضوء، وكلما ظنّ الليل أنه أطال مقامه، خرجتِ إليه بكلمةٍ تُشبه الفجر، فأعدتِه إلى حجمه الطبيعي.
ليس كلُّ ميلادٍ يُحتفى به، فثمة مواليد يضيفون رقمًا إلى العمر، وثمة مواليد يضيفون معنى إلى الحياة. وأنتِ يا سوسن، لستِ تاريخًا يُكتب في دفتر الأيام، بل حكايةُ امرأةٍ اختارت أن تكون أكبر من الزمن، وأوسع من المكان، وأصدق من كل الأقنعة التي يعجّ بها هذا العالم.
اليوم لا نُهنئ امرأةً أتمّت عامًا جديدًا، بل نُحيّي روحًا كلما مرّت عليها السنون ازدادت وهجًا، وصلابةً، وإيمانًا بأن الحرية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قدرٌ يُعاش، ورسالةٌ تُحمل، وثمنٌ يُدفع بكل فخر.
كنتِ، وما زلتِ، الثائرة منذ الأزل وحتى الأبد.
ثائرةً لأن روحكِ لم تعرف يومًا الانحناء، ولأن قلبكِ لم يتقن مصافحة القيود، ولأنكِ آمنتِ أن الإنسان يولد حرًا، وأن كل ما ينتقص من حريته إنما ينتقص من إنسانيته.
لم يكن تمرّدك نزوةً، ولا كان صخبًا يبحث عن الأضواء، بل كان موقفًا راسخًا، يشبه الجبال في ثباتها، والبحار في عمقها، والسماء في اتساعها. كنتِ تدركين أن الصمت أمام الحقيقة هزيمة، وأن الكلمة حين تُولد من ضميرٍ حي، تتحول إلى وطن، وأن الإعلام رسالةٌ لا تُؤدَّى إلا بالشجاعة.
لهذا لم تكوني إعلاميةً تنقل الخبر فحسب، بل كنتِ ضميرًا يوقظ الغافلين، وصوتًا يعيد للكلمة هيبتها، ونافذةً يدخل منها الضوء إلى القلوب المتعبة.
في حضوركِ، لا تتحدث المهنة… بل تتحدث الرسالة.
ولا تتقدم الشهرة… بل تتقدم المبادئ.
ولا ينتصر البريق… بل تنتصر القيمة.
كم من العواصف حاولت أن تُطفئ نار حضورك، لكنها لم تكن تعلم أن بعض الأرواح خُلقت من شرارة الخلق الأولى، وأن النار التي تسكن أصحاب المبادئ لا تزيدها الرياح إلا اشتعالًا.
وكم من الطرق كانت وعرة، لكنكِ عبرتها برأسٍ مرفوع، لأن الكرامة عندكِ ليست خيارًا، بل أسلوب حياة، ولأن الحرية ليست كلمةً في قاموسك، بل هي شريعتكِ التي لا تقبل المساومة ولا التأجيل.
أما جمالكِ، فليس جمال الملامح وحدها، فذلك يبهت مع مرور الزمن، وإنما جمال الروح التي لم تُهزم، والعقل الذي لم يستسلم، والقلب الذي بقي أبيض رغم كل ما مرّ به من عواصف.
إنه جمال المرأة التي تعرف أن الكبرياء ليس غرورًا، بل صونٌ للكرامة، وأن الرقة لا تتناقض مع القوة، وأن الأنوثة تبلغ ذروتها حين تقف شامخةً في وجه الريح، دون أن تفقد دفءَ قلبها أو نقاء إنسانيتها.
سوسن…
في عيد ميلادك، لا نتمنى لكِ عمرًا أطول فحسب، بل نتمنى أن يبقى حضوركِ ممتدًا كما عرفناه؛ أن يبقى قلمكِ منحازًا للحقيقة، وصوتكِ وفيًّا للناس، وقلبكِ عاشقًا للحرية، وعيناكِ مفتوحتين على الأمل مهما تكاثفت الغيوم.
نتمنى أن تظل الأيام تُنصت لخطاكِ، وأن يبقى اسمكِ مقرونًا بالشجاعة، وأن يبقى تاريخكِ شاهدًا على أن المرأة الحرة تستطيع أن تكون وطنًا كاملًا، وأن الكلمة الصادقة أقوى من الجيوش، وأبقى من الضجيج، وأخلد من المناصب.
لأن الذين يشبهونك لا يُقاسون بعدد الأعوام، بل بعدد القلوب التي أيقظوها، وعدد الضمائر التي أنصفوها، وعدد الأحلام التي أعادوا إليها الإيمان.
كل عامٍ وأنتِ أكثر إشراقًا من الفجر، وأكثر رسوخًا من الجبال، وأكثر صفاءً من المطر.
كل عامٍ وأنتِ المرأة التي لا تُقاس بما مرّ من سنوات، بل بما صنعت من أثر، وما زرعت من أمل، وما دافعت عنه من حق.
كل عامٍ وأنتِ الثورة حين ترتدي ثوب الحكمة، والجمال حين يتكلم بلغة الكبرياء، والحرية حين تمشي بين الناس.
وكل عامٍ وأنتِ… سوسن مهنا… الاسم الذي لا يُذكر كاسم، بل كقيمة، ولا يُقرأ كسيرة، بل كفكرة، ولا يُحتفى به لميلادٍ جديد، بل لأنه يذكّرنا دائمًا أن الكلمة الشريفة لا تشيخ، وأن الحرية لا تولد إلا في قلوب الشجعان، وأن بعض النساء لا يمررن في الحياة… بل يصنعن الحياة، ويتركن في ذاكرة الزمن مجدًا لا يُنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى