عندما تحول “لابا” المسرح لورشة صناعة احتراف الأزياء

في المشهد الفني الكويتي، هناك فرق بين أن تفتح مؤسسة أبوابها لتقديم دورة تدريبية، وبين أن تفتح أبوابها لصناعة فنان جديد.

وهنا تحديداً يأتي دور أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا»، التي تواصل حضورها كمساحة فنية تحتضن المواهب الشابة، وتمنحها ما هو أبعد من المعلومة العابرة: فرصة للتجربة، والاحتكاك، والتعلم على يد أصحاب الخبرة، والأهم… فرصة لاكتشاف أن الموهبة وحدها لا تكفي لصناعة فنان.

ومن هذا الرهان جاء «مختبر الأزياء»، لكن هذه المرة لم تكن الحكاية عن فستان أو عباءة أو قطعة ملابس تُرتدى فوق الخشبة، بل عن شخصية تُبنى من القماش، وحكاية تُروى بصرياً، وفكر تصميمي يبدأ قبل أن يتحرك القلم على الورق.

على مدى شهر كامل، قاد مصمم الأزياء خالد الشطي المشاركين في تجربة متخصصة بتصميم الأزياء المسرحية، واضعاً أمامهم حقيقة أساسية: مصمم الأزياء المسرحية لا يرسم ملابس… بل يصنع جزءاً من الدراما.

وربما أسهل طريقة لاختصار فلسفة «مختبر الأزياء» هي أن نقول: الأزياء المسرحية مو هدوم وبس.

هي هوية، وزمن، ومزاج، وطباع، ومكانة اجتماعية، وأحياناً سر من أسرار الشخصية.

ولهذا لم يبدأ الشطي من قلم الرصاص، وإنما من النص المسرحي.

قرأ المشاركون الشخصيات، وحللوها، وغاصوا في المراجع التاريخية، ثم بدأوا ببناء الصورة خطوة خطوة، من لوحات الإلهام (Mood Board) إلى تصميم الـ Silhouette، ورسم المانيكان، وصولاً إلى التصاميم النهائية.

أي أن القاعدة كانت واضحة: لا ترسم قبل أن تفهم… ولا تصمم قبل أن تقرأ الشخصية.

«علي بابا والعصابة».. حين دخل التاريخ إلى المختبر

وجاءت المشاريع النهائية لتكون الاختبار الحقيقي لما تعلمه المشاركون، من خلال تقديم تصاميم مستوحاة من شخصيات مسرحية «علي بابا والعصابة»، بالاستناد إلى الحقبة العباسية.

وهنا لم يكن التاريخ مجرد معلومة تُحفظ، وإنما مادة خام للخيال.

كيف كانت الشخصية في ذلك الزمن؟ ما موقعها الاجتماعي؟ كيف يمكن أن ينعكس ذلك على شكلها؟ ماذا يقول الزي قبل أن تتكلم الشخصية؟ وكيف يمكن للمصمم أن يجعل المشاهد يفهم شيئاً عن الشخصية بمجرد ظهورها على الخشبة؟

أسئلة كثيرة تحولت إلى تصاميم، لتثبت التجربة أن البحث التاريخي حين يلتقي بالخيال يمكن أن ينتج لغة بصرية قادرة على خدمة المسرح، لا مجرد ملابس جميلة على المسرح.

خالد الشطي: الهدف «مصمم يفكر» لا «رسام يرسم»

من جانبه، أوضح خالد الشطي أن الهدف من «مختبر الأزياء» لم يكن تعليم المشاركين رسم الأزياء فحسب، وإنما إعداد مصمم يمتلك القدرة على قراءة النص المسرحي، وتحليل الشخصيات، والبحث في المراجع التاريخية، ثم تحويل هذه المعرفة إلى تصميم يخدم العرض المسرحي درامياً وجمالياً.

وهنا تكمن النقطة الفاصلة في التجربة.

فالمصمم الذي يعرف كيف يرسم فقط يستطيع إنتاج صورة جميلة، لكن المصمم المسرحي الحقيقي يجب أن يعرف لماذا رسمها بهذه الطريقة.

لماذا اختار هذه الهيئة؟

لماذا هذه التفاصيل؟

لماذا هذا الشكل؟

ولماذا يتناسب كل ذلك مع الشخصية والنص والزمن؟

أسئلة تصنع الفرق بين «الرسم» و«التصميم»، وبين موهبة تبحث عن الإعجاب وفنان يبحث عن المعنى.

وأكد الشطي أن بناء الفكر التصميمي يمثل الأساس الحقيقي لأي تجربة ناجحة في تصميم الأزياء المسرحية، وهي رؤية وضعت المشاركين أمام مسؤولية أكبر من مجرد تنفيذ مشروع نهائي؛ مسؤولية امتلاك أدوات التفكير التي يمكن أن ترافقهم في تجاربهم المقبلة.

«لابا».. الاستثمار الحقيقي في الإنسان

ما يميز تجربة «مختبر الأزياء» أنها تأتي ضمن توجه أوسع تتبناه «لابا» في دعم الطاقات والمواهب الفنية، عبر برامج تضع الشباب في مواجهة مباشرة مع الممارسة الفنية الحقيقية.

فالفنان لا يصنعه كتاب، ولا شهادة، ولا ورشة واحدة.

الفنان تصنعه الممارسة، والأسئلة، والخطأ، والتجربة، والتوجيه، والاحتكاك بأصحاب الخبرة.

وهذه هي المساحة التي تحاول «لابا» توفيرها؛ مساحة لا تخاف من التجريب، ولا تتعامل مع المواهب باعتبارها أرقاماً في قائمة حضور، وإنما تمنحها فرصة حقيقية لتطوير أدواتها وصوتها الفني.

ومن هنا تأتي أهمية هذه البرامج المتخصصة، خصوصاً في مجالات لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي رغم دورها المحوري في صناعة العرض المسرحي.

حضور فني يقرأ ما وراء التصاميم

الحفل الختامي شهد حضور نخبة من الفنانين والمتخصصين، تقدمهم الكاتب والمخرج هادي الهادي، ومصممة الأزياء المسرحية إيمان السيف، ومصممة الماكياج المسرحي راوية مبارك، ومصممة الأزياء حصة المطيري، حيث اطلعوا على المشاريع النهائية وأشادوا بالمستوى الذي وصلت إليه مخرجات البرنامج.

والأهم أن الإشادة لم تتعلق بالشكل النهائي وحده، وإنما بالمنهجية التي اعتمد عليها «مختبر الأزياء» في بناء الفكر التصميمي وربط البحث التاريخي بالتصميم المسرحي.

وهذا تحديداً ما يعطي التجربة وزنها الحقيقي؛ لأن المشروع الفني لا ينجح فقط عندما يبدو جميلاً، بل عندما تكون وراءه فكرة، وبحث، ومبررات، ورؤية.

شيرين حجي: «المشاركون تطوروا بشكل ملحوظ»

من جانبها، أكدت مدربة ومخرجة الدراما في «لابا» شيرين حجي أن «مختبر الأزياء» يعد من البرامج التدريبية التي حققت نتائج استثنائية خلال فترة زمنية قصيرة.

وأشارت إلى أن المشاركين أظهروا تطوراً ملحوظاً في مستوى أعمالهم، بفضل المنهجية الاحترافية التي اعتمدها خالد الشطي، والتي جمعت بين تبسيط المفاهيم والتطبيق العملي.

وأوضحت أن البرنامج لم يقتصر على تعليم أساسيات تصميم الأزياء، بل ساهم في بناء فهم متكامل لكيفية قراءة الشخصية وتحليلها وتحويلها إلى رؤية بصرية تخدم العمل المسرحي، وهو ما انعكس بوضوح على جودة المشاريع النهائية وعلى ثقة المشاركين في تقديم أفكارهم.

كما أشادت بخبرة الشطي وشغفه في نقل المعرفة، وحرصه على متابعة المتدربين وتقديم التوجيه والدعم طوال فترة البرنامج، مؤكدة أن هذه الاحترافية كانت أحد أبرز أسباب نجاح التجربة.

وأعربت حجي عن تطلعها إلى استمرار التعاون بين «لابا» وخالد الشطي من خلال المزيد من البرامج والشراكات المتخصصة، لما تمثله هذه المبادرات من قيمة معرفية وإبداعية تسهم في تطوير المواهب والارتقاء بالمستوى الفني للمشاركين.

من خلف الستار تبدأ الحكاية

المسرح في النهاية ليس ممثلاً يقف أمام الجمهور فقط.

خلف كل شخصية عالم كامل من التفاصيل؛ نص يكتب، ومخرج يقرأ، وممثل يجسد، ومصمم يبحث، وماكياج يبني الملامح، وإضاءة ترسم المساحات، وملابس تمنح الشخصية هويتها.

ولهذا فإن «مختبر الأزياء» يضع إصبعه على منطقة شديدة الأهمية في صناعة المسرح: اللحظة التي يتحول فيها الإنسان المكتوب على الورق إلى شخصية يمكن رؤيتها قبل أن تتكلم.

وهنا تحديداً تحسب لـ«لابا» هذه التجربة؛ لأنها لم تقل للمشاركين: «تعلموا كيف ترسمون الأزياء».

بل قالت لهم، بصورة أوضح وأعمق:

اقرأوا… ابحثوا… حللوا… ثم ارسموا.

فالأزياء لا تتحدث من تلقاء نفسها.

المصمم هو من يمنحها الصوت.

والشخصية لا تولد عندما يرتدي الممثل الزي.

الشخصية تبدأ يوم يفهمها المصمم.

وهنا لا تُرسم الأزياء

هنا تُصنع الشخصيات.

زر الذهاب إلى الأعلى