الجريدة.. عندما تتحول الصحافة إلى علاقة ثقة

النشرة الدولية –

ليست كل صحيفة نقرأها تترك فينا الأثر نفسه، وليست كل تجربة قراءة تتحول مع مرور الوقت إلى علاقة من الثقة والاعتياد. فبعض الصحف نطالعها بحثًا عن خبر عابر، ثم نغلق صفحاتها ونمضي، بينما هناك صحف أخرى تصبح جزءًا من يومنا، نعود إليها لأننا نعرف أننا سنجد بين صفحاتها ما يستحق القراءة.

منذ سنوات طويلة، كانت «الجريدة» الكويتية واحدة من هذه الصحف بالنسبة لي. دأبت على مطالعتها ومتابعتها عامًا بعد عام، فوجدت فيها ما أبحث عنه من أخبار ومقالات وتحليلات وموضوعات متنوعة، والأهم من ذلك كله محتوى هادف يحترم عقل القارئ، ولا يكتفي بنقل الخبر، بل يفتح أمامه أبواب الفهم والتأمل والنقاش.

ولهذا لم تعد علاقتي بـ«الجريدة» مجرد علاقة قارئ بصحيفة، بل تحولت إلى علاقة ثقة، وهي في اعتقادي الشهادة الأصدق التي يمكن أن تحصل عليها أي مؤسسة إعلامية.

قضايا الوطن والأمة

يسجل لـ«الجريدة» بمداد من ذهب أنها لم تحصر اهتمامها في الشأن المحلي، بل حملت القضايا العربية وأبقتها حاضرة في دائرة الاهتمام الإعلامي، انطلاقًا من إدراكها أن الصحافة العربية لا تنفصل عن محيطها، وأن مسؤوليتها تمتد إلى القضايا التي تشغل وجدان الإنسان العربي وتمس واقعه ومستقبله.

وفي مقدمة هذه القضايا تأتي القضية الفلسطينية، التي ظلت حاضرة في تغطيات الصحيفة واهتماماتها، باعتبارها قضية عربية وإنسانية وتاريخية تتجاوز حدود الخبر العابر. وقد واكبت «الجريدة» تطوراتها وما يرتبط بها من أحداث ومواقف وتحولات، بما يعكس إدراكًا لأهمية إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي العام.

فالصحافة لا تنقل الحدث فحسب؛ إنها تحفظ ذاكرة القضايا، وتمنحها حضورًا في الوعي، وتضع أمام القارئ صورة أوسع لما يجري. ومن هنا فإن اهتمام «الجريدة» بفلسطين وبالقضايا العربية الكبرى يمثل جانبًا مضيئًا في تجربتها الإعلامية.

التطور ومواكبة العصر

ومن نقاط القوة التي تستحق الإشادة أن «الجريدة» لم تتعامل مع التطور باعتباره خيارًا ثانويًا، بل أدركت أن الإعلام يتغير، وأن القارئ تغير، وأن المستقبل لمن يستطيع مواكبة العصر دون أن يفقد هويته.

فلم تبقَ أسيرة الصحافة الورقية، بل طورت حضورها الإلكتروني وتمكنت من الوصول إلى جمهور أوسع عبر الفضاء الرقمي، لتصبح الصحيفة الورقية والمنصة الرقمية وجهين لتجربة إعلامية واحدة.

وهذا النجاح يعكس إدارة واعية استطاعت أن تجمع بين الخبرة والتجديد، والأصالة والتحديث، وأن تجعل التطوير جزءًا أصيلًا من مسيرة الصحيفة، لا مجرد استجابة مؤقتة لتحولات الإعلام.

ولعل أجمل ما يمكن أن تحصل عليه أي صحيفة هو أن يحتفظ بها قارئها لسنوات، وأن يجد فيها سببًا للعودة إليها يومًا بعد يوم.

وبالنسبة لي، فإن الاستمرار في مطالعة «الجريدة» لم يكن مجرد عادة، وإنما نتيجة طبيعية لما وجدته فيها من تنوع وثراء، ومتابعة للأحداث، واهتمام بالقضايا المحلية والعربية والدولية.

وفي زمن تتدفق فيه الأخبار من آلاف المصادر، تصبح المحافظة على ثقة القارئ إنجازًا حقيقيًا؛ فالثقة لا تُمنح مرة واحدة، وإنما تُبنى خبرًا بعد خبر، ومقالًا بعد مقال، وموقفًا بعد موقف.

ومن واقع هذه التجربة، يمكن القول إن «الجريدة» استطاعت أن تصنع لنفسها مكانة واضحة في المشهد الإعلامي الكويتي والعربي، وأن تضع نفسها في مصاف الصحف المميزة.

فتميزها لا يكمن في حضورها الإعلامي فحسب، وإنما في قدرتها على الجمع بين الخبر والتحليل، وبين الاهتمام بالشأن المحلي والقضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين، وبين الحفاظ على الهوية الصحفية ومواكبة التحول الرقمي.

لقد أثبتت «الجريدة» أن الصحيفة الناجحة هي التي تتغير دون أن تفقد روحها، وتتطور دون أن تتخلى عن رسالتها، وتدخل عصر التكنولوجيا دون أن تنسى أن أساس الصحافة هو القارئ وثقته.

وبعد سنوات من المتابعة، أستطيع أن أقول إن «الجريدة» بالنسبة لي لم تعد مجرد صحيفة أحرص على مطالعتها، وإنما أصبحت من المنابر الإعلامية التي أعود إليها بحثًا عن الخبر والمقال والرأي والمحتوى الهادف.

كل التحية والتقدير لإدارتها، ولصحفييها وكتابها والعاملين فيها، على ما بذلوه ويبذلونه من جهد، وعلى تجربة استطاعت أن تجمع بين أصالة الصحافة وروح العصر.

ويسجل لـ«الجريدة» بمداد من ذهب أنها حملت القضايا العربية، وأبقت فلسطين حاضرة، وواكبت التحولات الكبرى في الإعلام، وانتقلت بثقة من الورق إلى الفضاء الإلكتروني، دون أن تفقد هويتها أو رسالتها.

وفي النهاية، قيمة الصحيفة ليست في عدد صفحاتها أو كثرة أخبارها فحسب، وإنما في قدرتها على أن تكسب قارئًا يعود إليها كل يوم، ويثق بها، ويجد في صفحاتها ما يستحق أن يُقرأ.

هذه، في النهاية، هي الجائزة الحقيقية لأي صحيفة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى