الأمن الاجتماعي المجتمعي: لماذا لم يعد الفقر وحده هو المشكلة؟
بقلم: قاسم السعد
السعد باحث في حقوق الإنسان وحقوق الطفل

اعتادت الأدبيات التنموية على ربط الأمن الاجتماعي بأنظمة الضمان والحماية الاجتماعية، وبالقدرة على توفير الحد الأدنى من الدخل والخدمات الأساسية. إلا أن التجارب المعاصرة، ولا سيما في المجتمعات التي تعيش أزمات ممتدة، تكشف أن الأمن الاجتماعي أوسع من ذلك بكثير. فالمجتمع قد ينجح في توفير مساعدات غذائية أو خدمات صحية، لكنه يبقى مجتمعًا هشًا إذا فقد أفراده الثقة بالمستقبل، أو شعروا بأنهم بلا دور، أو أن مؤسساته لم تعد قادرة على حمايتهم.
من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم الأمن الاجتماعي المجتمعي، الذي يمكن تعريفه بأنه قدرة المجتمع، عبر مؤسساته وسياساته وعلاقاته وقيمه، على حماية كرامة الإنسان، وتعزيز انتمائه، وتمكينه من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة، بما يرسخ الثقة بالمستقبل ويحدّ من الهشاشة والتفكك الاجتماعي.
تتقاطع هذه الرؤية مع الفكرة التي يطرحها كتاب Stolen Pride، والتي ترى أن أخطر ما قد يفقده الإنسان ليس المال، بل الكرامة. فالإنسان يستطيع أن يتأقلم مع صعوبة الحياة، لكنه ينهار عندما يشعر بأنه لم يعد مؤثرًا، أو أن المجتمع لم يعد بحاجة إليه، أو أن أبناءه فقدوا فرصة بناء مستقبل أفضل.
وفي الحالة الفلسطينية في لبنان، تبدو هذه الفكرة شديدة الوضوح. فالأزمة لم تعد تُختزل في البطالة أو الفقر أو تراجع الخدمات، بل أصبحت أزمة ثقة، وأزمة دور، وأزمة يقين. يعيش آلاف الفلسطينيين وهم غير قادرين على توقع ما سيحمله الغد، سواء تعلق الأمر بفرصة عمل، أو استمرار مدرسة، أو تمويل مركز صحي، أو بقاء برنامج اجتماعي يعتمدون عليه. وعندما يصبح المستقبل مجهولًا، يبدأ الأمن الاجتماعي بالتآكل، حتى لو بقيت بعض الخدمات قائمة.
إن فهم الأمن الاجتماعي المجتمعي في المخيمات الفلسطينية يقتضي النظر إلى أربعة أعمدة مترابطة، لا يمكن لأي منها أن يحل محل الآخر.
العمود الأول هو الدولة اللبنانية، التي تشكل البيئة القانونية والسياسية والاقتصادية التي يعيش فيها اللاجئ الفلسطيني. فسياسات العمل والتعليم والصحة والبنية التحتية والتنظيم الإداري تؤثر بصورة مباشرة في مستوى الأمن الاجتماعي داخل المخيمات. وكلما كانت السياسات العامة أكثر قدرة على الحد من الهشاشة وتعزيز الاستقرار، انعكس ذلك إيجابًا على المجتمع الفلسطيني، مع الحفاظ على خصوصية قضية اللاجئين وحقوقهم.
أما العمود الثاني فهو وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، التي لم تكن يومًا مجرد مؤسسة تقدم خدمات تعليمية أو صحية، بل مثلت، على مدى عقود، عنصرًا أساسيًا في الاستقرار الاجتماعي، ورمزًا لاستمرار التزام المجتمع الدولي تجاه قضية اللاجئين. لذلك، فإن أي تراجع في إمكاناتها أو خدماتها لا يعني فقط تقليص خدمة، بل ينعكس أيضًا على شعور الناس بالأمان والثقة والاستقرار.
أما العمود الثالث فهو منظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها المرجعية الوطنية التي حافظت، عبر مراحل مختلفة، على الهوية الوطنية الجامعة، ومثلت الإطار السياسي الذي منح الفلسطينيين شعورًا بالانتماء والتمثيل، حتى في أصعب الظروف. فالأمن الاجتماعي لا يقوم على الخدمات وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إطار وطني يشعر الإنسان بأنه جزء منه.
ويتمثل العمود الرابع في المجتمع الفلسطيني نفسه؛ بمؤسساته الأهلية، ولجانه، ومبادراته الشبابية، وشبكات التضامن العائلي، والقطاع الخاص، والقيادات المحلية. فهذا هو الفضاء الذي تُبنى فيه الثقة اليومية، وتُنتج فيه المبادرات، وتتشكل فيه القدرة على الصمود. وكلما كان المجتمع شريكًا في تحديد احتياجاته وصناعة الحلول، ازدادت قدرته على حماية أمنه الاجتماعي.
وتكمن المشكلة في أن ضعف أي واحد من هذه الأعمدة يفرض ضغوطًا إضافية على الأعمدة الأخرى. أما إذا ضعفت جميعها في الوقت نفسه، فإن المجتمع لا يواجه فقط أزمة اقتصادية أو إنسانية، بل يدخل في أزمة أمن اجتماعي مجتمعي، تتراجع فيها الثقة، وتتآكل الكرامة، ويشعر الشباب بأنهم بلا أفق، فتزداد الهجرة، أو الانكفاء، أو قابلية الانجرار وراء خيارات لا تعبر عن مصالح المجتمع.
لذلك، فإن بناء الأمن الاجتماعي المجتمعي لا يبدأ بتوزيع المساعدات، بل بإعادة بناء الثقة بين الإنسان ومؤسساته، وبين المجتمع والدولة، وبين اللاجئ ومستقبله. ويبدأ أيضًا بالانتقال من إدارة الاحتياجات إلى بناء القدرات، ومن تنفيذ المشاريع إلى تمكين المجتمع من المشاركة في إنتاج المعرفة، وتحديد أولوياته، وصناعة الحلول التي تنبع من واقعه.
إن المجتمعات لا تنهار عندما تقل الموارد فقط، بل عندما يفقد الناس ثقتهم بأن هناك منظومة ستحميهم عندما تشتد الأزمات. ولذلك، فإن الأمن الاجتماعي المجتمعي ليس مشروعًا إغاثيًا، ولا برنامجًا تنمويًا منفصلًا، بل هو العقد غير المكتوب الذي يربط الإنسان بمجتمعه، ويمنحه الشعور بأن كرامته مصونة، وأن صوته مسموع، وأن الغد، رغم كل الصعوبات، لا يزال يستحق أن يُبنى.


