وطن أجمل من منشوراته.. أيّ الأردن نقدّم للعالم؟
بقلم: رنا حداد

النشرة الدولية –
الدستور الأردنية –
أمضيتُ أربعين يومًا في أميركا، وهي مدة ليست قصيرة حين تكون بعيدًا عن وطنك، تنظر إليه من مسافة آلاف الكيلومترات.
وفي الغربة، يصبح الهاتف نافذتك الأولى على البلد الذي تركته خلفك؛ تتابع أخباره، وتتفقد ما ينشره أبناؤه، وتحاول أن تبقى قريبًا منه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الغريب أن تكون في الطرف الآخر من العالم، وتنظر إلى بلدك من مسافة بعيدة، فتكتشف أن ما يصل عن وطنك عبر بعض منصات التواصل لا يشبهه كثيرًا، ولا يعكس بالضرورة حجم الجمال الموجود فيه، ولا تنوعه، ولا قصص النجاح والإبداع التي تستحق أن تُروى.
لا أعمّم، فهناك صفحات وأشخاص ومؤسسات يقدمون محتوى رائعًا، ويعرفون كيف يلتقطون صورة جميلة عن الأردن ويقدمونها للعالم. لكن، في المقابل، ما يزال جزء كبير مما يُنشر عشوائيًا، سريعًا، ومفتقرًا إلى الحد الأدنى من التدقيق أو القيمة أو حتى الإحساس بمسؤولية الصورة التي نصنعها عن بلدنا.
المشكلة ليست في أن نختلف، أو ننتقد، أو نتحدث عن السلبيات. الوطن ليس صورة مثالية ولا ينبغي أن يكون كذلك.
لكن حين يصبح العشوائي والصاخب والمبتذل هو الأكثر حضورًا، بينما يختفي الجميل والمبدع والإنساني خلفه، فنحن لا ننقل الواقع كما هو، بل نصنع عنه صورة ناقصة.
من بعيد، ترى الأشياء بطريقة مختلفة.
تكتشف أن الأردن ليس فقط خبرًا عاجلًا، أو مشاجرة، أو جدلًا على منصة، أو فيديو عابرًا يحقق آلاف المشاهدات. هناك فنانون، ومبدعون، وطلاب، ونساء ورجال يصنعون قصص نجاح حقيقية، ومبادرات جميلة، وقرى ومدن تحمل ذاكرة، وطبيعة تستحق أن تُرى، وثقافة تستحق أن تُحكى.
كنت أتمنى أن يرى الناس الأردن كما يمكن أن يراه الزائر حين يصل إليه: بلدًا آمنًا، هادئًا، مضيافًا، يستطيع فيه السائح أن يمشي في شوارعه، ويزور آثاره، ويجلس في مقاهيه، ويتنقل بين مدنه ومواقعه السياحية، ويستمتع بعطلة جميلة، بعيدًا عن الصورة النمطية التي قد تجعل البعض يتردد في التفكير أصلًا في زيارته.
فالأردن، بحكم موقعه في منطقة تشهد أحداثًا متسارعة، قد يدفع أحيانًا ثمن الصورة العامة للمنطقة، حتى وإن كانت تفاصيل الحياة اليومية فيه مختلفة تمامًا. ومن هنا تأتي أهمية أن نُظهر للعالم الوجه الآخر؛ وجه الحياة الطبيعية، والناس الذين يعيشون يومهم، والعائلات التي تستقبل ضيوفها، والمواقع السياحية التي تستحق الزيارة، والمدن التي تنبض بالحياة.
لا أقول إن علينا أن نخفي الواقع أو نتجاهل ما يجري من حولنا، بل على العكس؛ الصورة الصادقة هي التي تعرف كيف تضع الأشياء في سياقها. لكن من حق الأردن أيضًا أن يُرى كما هو، لا كما تبدو المنطقة كلها في نشرات الأخبار.
وربما كان هذا أكثر ما شعرت به وأنا بعيدة: كم أتمنى أن يصل إلى العالم الأردن الذي أعرفه؛ الأردن الآمن، الهادئ، الجميل، الذي يمكن أن يأتي إليه الإنسان ليكتشف التاريخ والطبيعة والناس، ويعود منه بذكريات أجمل بكثير من تلك التي قد تصنعها شاشة هاتفه.
ربما نحن بحاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نسأل أنفسنا قبل أن ننشر:
هل هذا ما نريد فعلًا أن يعرفه الآخرون عن بلدنا؟
فالكلمة والصورة والمنشور ليست مجرد محتوى عابر إنها، شئنا أم أبينا، جزء من الصورة التي نصنعها عن المكان الذي ننتمي إليه.