الأمن الغذائي والأمن القومي الأردني: معركة السيادة في عالم يتغير
بقلم: د. محمد الجبور

د. الجبور كاتب وباحث سياسي

لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل أصبحت تُدار أيضًا بالقمح، والمياه، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والتكنولوجيا. لقد تغيّرت أدوات النفوذ، وأصبح الغذاء سلاحًا استراتيجيًا بيد الدول القادرة على إنتاجه أو التحكم في تدفقه، فيما باتت الدول المستوردة أكثر عرضة للابتزاز الاقتصادي والضغوط السياسية.

من هنا، فإن الأمن الغذائي في الأردن لم يعد ملفًا زراعيًا أو اقتصاديًا فحسب، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي. فالدولة التي لا تستطيع تأمين غذاء شعبها في أوقات الأزمات، تجد نفسها مضطرة لدفع أثمان سياسية واقتصادية قد تمس استقلال قرارها الوطني.

لقد كشفت الأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مرورًا بالاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، أن النظام الاقتصادي العالمي لم يعد قائمًا على قواعد ثابتة، بل على موازين قوى ومصالح متغيرة. وفي مثل هذا العالم، لم يعد السوق الحر وحده كافيًا لضمان الأمن الغذائي، لأن الدول المنتجة تضع مصالحها الوطنية أولًا، وقد تفرض قيودًا على الصادرات أو تعيد توجيه إنتاجها إلى أسواقها الداخلية عند اشتداد الأزمات.

ويقف الأردن أمام معادلة دقيقة؛ فهو دولة محدودة الموارد، تعاني من شح المياه، وضيق الرقعة الزراعية، وتعتمد على الاستيراد لتأمين جانب مهم من احتياجاتها الغذائية. ورغم النجاح في بناء مخزون استراتيجي للسلع الأساسية والحفاظ على استقرار الأسواق في ظروف إقليمية ودولية معقدة، فإن استمرار الاعتماد الكبير على الخارج يفرض تحديات لا يمكن تجاهلها.

إن الأمن القومي لا يُقاس فقط بعدد الجنود أو كفاءة الأجهزة الأمنية، بل يُقاس أيضًا بقدرة الدولة على حماية احتياجات مواطنيها الأساسية. فالجيوش تحمي الحدود، لكن الأمن الغذائي يحمي الاستقرار الداخلي، ويعزز صمود المجتمع، ويمنح الدولة مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد إدارة ملف الغذاء، بل إعادة صياغة مفهوم الأمن الغذائي باعتباره مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا تشارك فيه جميع مؤسسات الدولة. فالزراعة يجب أن تُعامل كقطاع سيادي، لا كقطاع إنتاجي تقليدي، والمياه يجب أن تُدار بوصفها موردًا للأمن القومي، والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية والبحث العلمي يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية الدولة، لا مبادرات متفرقة.

كما أن القطاع الخاص مطالب بأن يكون شريكًا في بناء منظومة الأمن الغذائي، من خلال الاستثمار في الصناعات الغذائية، وسلاسل التخزين، والزراعة الحديثة، والتوسع في الأسواق الخارجية، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات العالمية.

إن العالم يتجه نحو تنافس متزايد على الموارد، ومع تصاعد آثار التغير المناخي وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق، قد تصبح المنافسة على الغذاء أكثر حدة خلال السنوات المقبلة. والدول التي لا تستعد لهذا الواقع من الآن قد تجد نفسها أمام تحديات تفوق قدراتها الاقتصادية والاجتماعية.

وبالنسبة للأردن، فإن الاستثمار في الأمن الغذائي ليس ترفًا تنمويًا، بل ضرورة استراتيجية. وكل دينار يُنفق على تطوير الزراعة، وحماية الموارد المائية، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، ودعم الابتكار الزراعي، هو استثمار في الاستقرار الوطني، وفي قوة الدولة، وفي استقلال قرارها السياسي.

إن الأمن الغذائي هو خط الدفاع الداخلي الأول عن الدولة. فإذا كانت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تحمي حدود الوطن، فإن الغذاء يحمي تماسك المجتمع، ويصون كرامة المواطن، ويعزز الثقة بين الدولة ومواطنيها. ومن هذا المنطلق، فإن بناء منظومة غذائية وطنية قوية يجب أن يكون أولوية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات الدفاعية أو تعزيز النمو الاقتصادي.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية ومؤسساته الوطنية، يمتلك القدرة على تحويل هذا التحدي إلى فرصة، عبر تبني رؤية استراتيجية تجعل من الأمن الغذائي ركيزة أساسية للأمن القومي، وعنوانًا لسيادة القرار الوطني، ورسالة واضحة بأن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، بل أيضًا بما تستطيع أن توفره لشعوبها من غذاء وأمن واستقر

زر الذهاب إلى الأعلى