من عبد الرحمن السيد لممداني.. هل بدأ الربيع التقدمي بالحزب الديمقراطي؟
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –
لم يكن فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميتشيغان مجرد انتصار شخصي لطبيب شاب من أصول مصرية، بل يمثل محطة سياسية قد تحمل دلالات أعمق على التحولات التي يشهدها الحزب الديمقراطي، وربما السياسة الأميركية بأسرها،
فالرجل الذي دخل الحياة العامة من بوابة الصحة والعمل المجتمعي ثم اختار مواجهة المؤسسة الحزبية التقليدية بخطاب تقدمي واضح، نجح في تحقيق ما كان حتى سنوات قليلة مضت يبدو أقرب إلى المستحيل، لقد أثبتت تجربة السيد أن الناخب الأميركي، وخصوصًا داخل القاعدة الديمقراطية، أصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى خطاب يكسر المحرمات التقليدية، وفي مقدمتها طريقة تناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويأتي هذا الفوز بعد أشهر من صعود مرشحين تقدميين آخرين، وفي مقدمتهم زهران ممداني، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: هل نحن أمام انتصارات متفرقة، أم أمام بداية موجة سياسية جديدة تعيد رسم ملامح الحزب الديمقراطي؟
يصعب الجزم بأن الحزب تغير بالكامل، لكن من الواضح أن التيار التقدمي فيه لم يعد مجرد أقلية صاخبة، بل تحول إلى قوة انتخابية قادرة على الفوز مستندًا إلى تحالف واسع يضم الشباب، والنقابات، والأقليات، والعرب والمسلمين، وقطاعات متزايدة من الأميركيين الذين باتوا ينظرون إلى السياسة الخارجية من زاوية حقوق الإنسان، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.
ومن هنا تبرز أهمية عبد الرحمن السيد، فهو لم يبن حملته على هويته العربية أو الإسلامية، وإنما على برنامج إصلاحي شامل، لكنه في الوقت نفسه لم يتراجع عن مواقفه المنتقدة للسياسات الإسرائيلية، ولم يتبن اللغة التقليدية التي ظلت تهيمن على الخطاب السياسي الأميركي لعقود.
لعل أهم ما في هذا الفوز أنه يوجه رسالة إلى السياسيين الأميركيين مفادها أن الدفاع عن الحقوق الفلسطينية لم يعد انتحارًا سياسيًا كما كان يُعتقد في السابق، صحيح أن هذا الموقف لا يزال يثير انقسامًا واسعًا لكنه لم يعد كافيًا لإقصاء المرشح أو إنهاء مستقبله السياسي.
والسؤال هنا: هل يعني ذلك أن اللوبي المؤيد لإسرائيل، وفي مقدمته «إيباك»، بدأ يفقد نفوذه؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الحذر، فمن المبكر الحديث عن تراجع حاسم في نفوذ هذه المؤسسات، فهي ما زالت تمتلك موارد مالية ضخمة، وشبكات تأثير واسعة داخل الكونغرس والحزبين الجمهوري والديمقراطي، غير أن ما يبدو واضحًا هو أن قدرتها على فرض نتائج الانتخابات كما كانت تفعل في السابق أصبحت تواجه تحديات متزايدة، خاصة عندما ينجح المرشحون في بناء قواعد شعبية واسعة تعتمد على التمويل الشعبي والتنظيم الميداني.
لقد كشفت انتخابات السنوات الأخيرة أن المال السياسي، رغم أهميته، لم يعد العامل الوحيد الحاسم، فهناك اليوم رأي عام ديمقراطي أكثر حساسية تجاه صور الحرب في غزة، وأكثر استعدادًا لمساءلة السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وهو تحول يصعب تجاهله.
ومن المرجح أن يشجع فوز عبد الرحمن السيد شخصيات عربية ومسلمة أخرى على خوض الانتخابات المحلية والفيدرالية، بعد أن أثبت أن الوصول إلى مواقع القرار لم يعد حلمًا بعيد المنال، والأهم من ذلك أنه قد يدفع الجاليات العربية والإسلامية إلى الانتقال من دور الناخب الموسمي إلى دور الشريك الدائم في صناعة القرار السياسي.
أما داخل الحزب الديمقراطي، فمن المتوقع أن يزداد الصراع بين جناح المؤسسة التقليدية الذي يتمسك بالسياسات التاريخية للحزب، وجناحه التقدمي الذي يطالب بإعادة النظر في ملفات عديدة، من الرعاية الصحية والعدالة الاقتصادية إلى السياسة الخارجية والعلاقة مع إسرائيل، ولا يعني هذا الصراع بالضرورة انقسام الحزب، لكنه سيجبر قيادته على التكيف مع قواعد انتخابية جديدة تختلف أولوياتها عن أولويات الأجيال السابقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستطيع عبد الرحمن السيد تحويل هذا الانتصار إلى مشروع سياسي طويل الأمد؟
إذا نجح في ذلك، وإذا واصل التيار التقدمي تحقيق اختراقات مشابهة في ولايات أخرى، فقد ينظر المؤرخون بعد سنوات إلى انتخابات ميتشيغان بوصفها واحدة من اللحظات التي بدأت فيها موازين القوى داخل الحزب الديمقراطي تميل تدريجيًا نحو جيل جديد أكثر جرأة في طرح القضايا الداخلية والخارجية.
لقد فاز عبد الرحمن السيد في معركة انتخابية، لكن القيمة الحقيقية لهذا الفوز لا تكمن في المقعد وحده، بل في الرسالة التي حملها، ألا وهي أن السياسة الأميركية ليست جامدة كما تبدو، وأن التحولات الديموغرافية والفكرية داخل المجتمع الأميركي بدأت تجد طريقها إلى صناديق الاقتراع، وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لانتصار ميتشيغان؛ بداية مرحلة جديدة عنوانها اتساع مساحة النقاش، لا نهاية نفوذ أي طرف، بل ولادة توازنات سياسية جديدة ستحدد مستقبل الحزب الديمقراطي والولايات المتحدة في السنوات المقبلة.
