حين صمت العالم.. الأردن قال ما يجب أن يُقال
بقلم: د. محمد الجبور
د. الجبور كاتب وباحث سياسي

النشرة الدولية –
في اللحظات التي تتراجع فيها لغة الحقيقة أمام ضجيج المصالح، وتصبح الكلمات الدبلوماسية عاجزة عن وصف حجم المأساة، تأتي المواقف التي لا تحتمل المواربة. ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ليقول ما يجب أن يُقال، في توقيت بالغ الخطورة والحساسية.
لم يكن الخطاب مجرد كلمة سياسية عابرة، بل كان تعبيرًا واضحًا عن موقف الأردن تجاه مرحلة تاريخية مفصلية تعيشها المنطقة، وتجاه القضية الفلسطينية التي ما زالت في قلب الصراع والتوتر الإقليمي والدولي.
قوة خطاب جلالة الملك لم تكن في ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما في وضوح الرسالة. فحين تُسمّى الأشياء بأسمائها، وتوضع الحقائق أمام المجتمع الدولي، تصبح الكلمة موقفًا، ويصبح الصمت عن الحقائق موقفًا آخر.
لقد أكد جلالته أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختزالها في أرقام أو بيانات سياسية، ولا يمكن تجاوز حقوق الشعب الفلسطيني أو التعامل معها باعتبارها قضية مؤجلة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على تجاهل الحقوق، وإنما على العدالة واحترام القانون الدولي وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
وفي هذه المرحلة شديدة التعقيد، يبرز الدور الأردني بما يحمله من مسؤولية تاريخية وسياسية، خصوصًا في الدفاع عن القضية الفلسطينية، والحفاظ على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والتأكيد على أن حل الدولتين هو السبيل لتحقيق السلام العادل والشامل.
كما أن خطاب جلالة الملك حمل رسالة تتجاوز حدود الأردن وفلسطين؛ رسالة إلى المجتمع الدولي بأن استمرار الأزمات دون حلول عادلة لا يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، وأن معالجة جذور الصراع أصبحت ضرورة لا تحتمل المزيد من التأجيل.
الأردن لا يبحث عن التصعيد، ولا يجعل من لغة المواجهة هدفًا بحد ذاتها، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن تتحول الدبلوماسية إلى صمت، ولا أن تصبح لغة المصالح مبررًا لتجاهل حقوق الشعوب.
وهنا تكمن أهمية الخطاب؛ في الجمع بين قوة الموقف وهدوء الدبلوماسية، وبين الدفاع عن الثوابت والانفتاح على السلام، وبين حماية المصالح الوطنية الأردنية وتحمل المسؤولية تجاه قضايا المنطقة.
لقد تحدث جلالة الملك من موقع الأردن، الدولة التي دفعت أثمانًا كبيرة بسبب أزمات المنطقة، والتي تدرك أن الأمن والاستقرار لا يمكن أن يكونا منفصلين عن العدالة، وأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على الأزمات المفتوحة والصراعات المستمرة.
إن المرحلة التي تمر بها المنطقة تحتاج إلى مواقف واضحة، وإلى أصوات لا تخشى قول الحقيقة. وفي هذا السياق، جاء خطاب جلالة الملك ليؤكد أن الأردن سيبقى حاضرًا، ومتمسكًا بثوابته، ومدافعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني، وداعمًا للسلام العادل، وحريصًا على أمن الأردن واستقراره.
حين صمت كثيرون، تحدث الأردن. وحين اختلطت المواقف، بقي الموقف الأردني واضحًا. وحين احتاجت المنطقة إلى صوت يقول الحقيقة، كان صوت الأردن حاضرًا من على منبر الأمم المتحدة.
حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وحفظ ولي عهده الأمين، وحفظ الأردن وشعبه، وأدام على وطننا الأمن والاستقرار والعزة.
الأردن.. وطنٌ يقول ما يجب أن يُقال.
د. محمد الجبور كاتب وباحث سياسي
