د. إيمان العبد الغني.. عندما دخلت الكويتية إلى الجامعة البريطانية… لم تحمل شهادة فقط، بل حملت صورة امرأة عربية

النشرة الدولية –
ليست كل امرأة تدخل جامعة عالمية تصنع قصة تستحق أن تُروى. بعضهن يحصلن على الشهادة ويعدن إلى حياتهن، وبعضهن يدخلن تلك الجامعات فيتركن وراءهن سؤالًا أكبر من الشهادة نفسها: ماذا تستطيع المرأة العربية أن تفعل حين تمتلك العلم والإرادة والفرصة؟
هنا بالضبط تستوقفنا تجربة الدكتورة إيمان العبد الغني.
كويتية اختارت أن تخوض أكثر من معركة في وقت واحد؛ معركة العمل، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، ثم الوصول إلى منصة أكاديمية دولية لا تُمنح فيها الألقاب بالمجاملة، وإنما تُنتزع بالبحث والجهد والمثابرة.
من الكويت إلى بريطانيا، ومن عالم الاستثمار والقطاع المصرفي إلى ريادة الأعمال والإعلام الرقمي، ثم إلى البحث الأكاديمي في جامعة بورتسموث، تبدو الحكاية أكبر من مجرد مسار وظيفي.
إنها حكاية امرأة رفضت أن تضع لنفسها سقفًا.
من سوق العمل إلى قاعات البحث
لم تبدأ إيمان العبد الغني رحلتها من قاعة محاضرات جامعية لتنتهي فيها. خاضت تجربة مهنية طويلة في القطاع المصرفي والاستثمار، ثم دخلت عالم ريادة الأعمال، وأسست منصة تهتم بالمشاريع الناشئة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، قبل أن تنتقل إلى فضاء البحث العلمي.
وهنا تكمن إحدى أجمل محطات تجربتها: المرأة التي عرفت لغة الاستثمار والأعمال، اختارت لاحقًا أن تبحث في قضايا المرأة والمجتمع والعالم الرقمي.
فالتجربة المهنية لم تكن نهاية الطريق، بل أصبحت مادة للمعرفة والبحث.
وفي بريطانيا… كانت الكويت حاضرة
عندما وصلت إيمان العبد الغني إلى جامعة بورتسموث البريطانية، لم تحمل معها طموحًا شخصيًا فقط، بل حملت سؤالًا من بيئتها ومجتمعها.
جاء بحث الدكتوراه حول نشوء النشاط النسوي الرقمي في الشرق الأوسط، مع اتخاذ الكويت حالة للدراسة.
وهنا تكمن قيمة التجربة.
فالمرأة العربية لم تعد مجرد موضوع يدرسه الآخرون من الخارج، بل أصبحت هي الباحثة التي تدرس مجتمعها، وتطرح قضاياه، وتقدم تجربته إلى فضاء أكاديمي دولي.
إنها نقلة من أن نكون موضوعًا للبحث إلى أن نكون منتجين للمعرفة.
وهذه رسالة مهمة لكل شابة عربية: الجامعة العالمية ليست مكانًا للآخرين فقط، والبحث العلمي ليس امتيازًا جغرافيًا؛ إنه باب مفتوح لمن يمتلك العلم والشغف والإصرار.
صورة أخرى للمرأة الكويتية
تقدم تجربة إيمان العبد الغني صورة مختلفة للمرأة الكويتية؛ امرأة لا تقف عند حدود الوظيفة، ولا ترى التعليم مجرد وسيلة للحصول على شهادة أو ترقية، بل تتعامل مع المعرفة باعتبارها قوة وصناعة للمستقبل.
امرأة في عالم الاستثمار، ثم في ريادة الأعمال، والإعلام الرقمي، ثم في البحث الأكاديمي.
هذه الأدوار ليست متناقضة، بل تؤكد أن المرأة قادرة على إعادة اكتشاف نفسها، والانتقال بين المجالات، وتحويل الخبرة العملية إلى معرفة وأثر.
وهذه هي الصورة التي تستحق أن نقدمها للأجيال الجديدة: امرأة كويتية تنتمي إلى وطنها، لكنها في الوقت نفسه قادرة على الحضور في أكثر المنصات العلمية انفتاحًا على العالم.
الرسالة لا تتوقف عند الكويت
أجمل ما في النماذج الناجحة أنها لا تتوقف عند حدود أصحابها.
حين تنجح امرأة كويتية في جامعة دولية، فإن نجاحها يصبح جزءًا من المشهد العربي كله.
فالفتاة في الكويت أو القاهرة أو عمّان أو الرياض أو الدوحة أو مسقط، حين ترى امرأة عربية تصل إلى جامعة عالمية وتنجح في البحث العلمي، ترى أمامها احتمالًا جديدًا لحياتها.
تقول لنفسها: لماذا لا أكون أنا أيضًا؟
وهذه الجملة الصغيرة قد تكون بداية قصة كبيرة.
نحن بحاجة إلى نماذج لا إلى شعارات
تحدثنا كثيرًا عن تمكين المرأة، ورفعنا الشعارات، وأقمنا المؤتمرات. لكن التمكين الحقيقي لا يحتاج إلى كثير من الضجيج.
يحتاج إلى امرأة تعمل وتتعلم وتبحث وتؤسس.
يحتاج إلى فتاة تؤمن أن الوصول إلى جامعة عالمية ممكن.
ويحتاج إلى مجتمع يقول لابنته: اذهبي، ادرسي، جربي، وعودي إلينا بما تعلمتِ.
لهذا فإن الاحتفاء بتجربة إيمان العبد الغني ليس مجرد مجاملة لشخص، بل احتفاء بفكرة أوسع: أن تعليم المرأة ليس ترفًا، وأن طموحها ليس مبالغة، وأن وصولها إلى المنصات الدولية ليس استثناءً، بل مسار يجب أن يتسع عامًا بعد عام.
حين يصبح النجاح رسالة
من السهل أن نعدد الشهادات والمناصب، لكن الأهم هو المعنى الكامن خلف التجربة.
إيمان العبد الغني تقدم نموذجًا للقدرة على إعادة اختراع الذات؛ من الاستثمار والعمل المصرفي، إلى ريادة الأعمال والإعلام الرقمي، ثم إلى البحث الأكاديمي في جامعة بريطانية.
وهذه شجاعة معرفية قبل أن تكون إنجازًا مهنيًا.
فالجامعة الدولية ليست مجرد محطة للسفر، والدكتوراه ليست زينة اجتماعية. كلاهما مسؤولية معرفية، والسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا درستِ؟ بل: ماذا ستفعلين بهذه المعرفة؟
الكويت حين تصدر الطموح
الكويت التي عُرفت بتاريخها الثقافي والتعليمي والإعلامي، تستطيع أن تصدر إلى العالم أكثر من المنتجات والثروات؛ تستطيع أن تصدر الإنسان والمعرفة والطموح.
وحين تخرج منها امرأة إلى جامعة دولية، وتعود بخبرتها وأبحاثها وتجربتها، فإنها لا تمثل نفسها فقط، بل تحمل معها صورة وطنها.
وحين تبحث في قضايا المرأة والمجتمع الخليجي، فإنها تضيف إلى هذه الصورة بعدًا آخر: أن الكويت لا تصنع مستهلكين للمعرفة فقط، بل تستطيع أن تصنع منتجين لها.
إيمان العبد الغني… قصة تستحق أن تُروى
قد تحصل امرأة على الدكتوراه وتنتهي القصة.
لكن قد تحصل امرأة أخرى على الدكتوراه وتبدأ بها قصة جيل.
وهنا تكمن قيمة تجربة إيمان العبد الغني.
فهي تذكرنا بأن المرأة الكويتية والعربية قادرة على أن تتحرك بين عالم المال والأعمال والإعلام والبحث الأكاديمي، وأن تصل إلى الجامعة الدولية لا باعتبارها زائرة، وإنما باحثة تحمل سؤالًا عربيًا وتبحث له عن إجابة في فضاء عالمي.
وهذه صورة تستحق أن تُرى، ونموذج يستحق أن يصل إلى الفتيات قبل أن يصل إلى منصات التكريم.
لأن أجمل ما يمكن أن تفعله امرأة ناجحة ليس أن تقول: انظروا إلى ما حققته أنا، بل أن تجعل فتاة أخرى تقول:
إذا استطاعت هي، فربما أستطيع أنا أيضًا.
وهنا يصبح نجاح امرأة واحدة أكبر من صاحبه، ويتحول إنجاز فردي إلى ضوء في طريق آلاف النساء.