أنطوانيت علوان تكتب بحبر الوفاء، وترفع اسم «تلفزيون لبنان» في حضرة الأرز والتاريخ

ليست كل الكتابات مجرّد كلمات، وليست كل المنشورات تفصيلًا عابرًا على صفحات التواصل الاجتماعي؛ فثمة أقلام تعرف كيف تمنح الحدث قيمته، وكيف تحوّل الزيارة إلى رسالة، والمشهد إلى موقف، والتفاصيل إلى شهادة وفاء للوطن. ومن بين هذه الأقلام، تبرز الإعلامية أنطوانيت علوان، التي اختارت أن تسلّط الضوء على زيارة وفد «تلفزيون لبنان» إلى محمية حرج إهدن، في مبادرة إعلامية تحمل في مضمونها تقديرًا للمؤسسة الوطنية، واعتزازًا بالأرض اللبنانية، وإيمانًا بدور الإعلام في حماية الذاكرة الوطنية وصون التراث.
أنطوانيت علوان لم تتعامل مع الزيارة بوصفها خبرًا عابرًا يُنشر ثم يُطوى، بل بوصفها مناسبة تستحق التوثيق والإضاءة، لأنها تجمع بين ثلاثة عناوين أساسية في حياة لبنان: الإعلام الوطني، والثروة الطبيعية، والإرث الحضاري. وهذه المقاربة بحدّ ذاتها تستحق التقدير، إذ إن قيمة الإعلام لا تُقاس فقط بسرعة نقل الخبر، بل أيضًا بقدرته على اكتشاف المعنى الكامن خلف الحدث، وإبراز ما يستحق أن يبقى في الذاكرة.
في زمن تتزاحم فيه الأخبار السريعة، وتتراجع فيه أحيانًا المساحات المخصّصة للقضايا البيئية والثقافية والتراثية، تأتي مبادرة علوان لتذكّر بأن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون مهنة، ورسالة قبل أن يكون حضورًا على الشاشة أو المنصات الرقمية. فحين تمنح الإعلامية مساحة لزيارة إلى محمية حرج إهدن، فإنها تسهم في إبقاء الضوء مسلّطًا على واحدة من أثمن الثروات الطبيعية في لبنان، وعلى الجهود المبذولة للحفاظ عليها للأجيال المقبلة.
والأجمل في هذه الزيارة أنها لم تقتصر على الكلمات والصور، بل حملت فعلًا رمزيًا بالغ الدلالة، تمثّل في غرس شجيرة أرز في «غابة الفنون» داخل المحمية. والأرز، في الوجدان اللبناني، ليس مجرد شجرة؛ إنه رمز الصمود والكرامة والاستمرارية، وعنوان وطن تعاقبت عليه المحن وبقيت جذوره ضاربة في التاريخ. ومن هنا، اكتسبت الزيارة بعدًا يتجاوز المناسبة نفسها، لتصبح رسالة تؤكد أن الانتماء إلى لبنان يُترجم بالمبادرات التي تحمي أرضه وتصون جماله وتاريخه.
كما أن تسليط الضوء على الدور الذي يؤديه برنامج «أحلى صباح» عبر «تلفزيون لبنان»، في مواكبة نشاطات المحمية وتغطية شؤونها، يبرز أهمية الإعلام المستمر والمسؤول في دعم المؤسسات البيئية وتعريف الجمهور بجهودها. فالمحمية ليست مجرد مساحة خضراء، بل منظومة طبيعية غنية بالتنوّع البيولوجي، وذاكرة بيئية تستحق الحماية، وثروة وطنية ينبغي أن تكون في صلب الاهتمام العام.
ولعلّ ما يميّز هذا الحدث هو امتداده من الطبيعة إلى التاريخ، ومن الأرز إلى المعالم الدينية والتراثية، وصولًا إلى متحف يوسف بك كرم في زغرتا. إنها جولة في هوية منطقة تختزن صفحات من تاريخ لبنان، وتؤكد أن حماية الوطن لا تنفصل عن حماية بيئته، وأن صون التراث لا يقلّ أهمية عن الحفاظ على المعالم الطبيعية التي تمنحه فرادته.
هنا تحديدًا تتجلّى أهمية الكتابة الإعلامية التي تتجاوز السرد إلى إبراز القيمة. فالإشادة بأنطوانيت علوان لا تنطلق من مجرد نشرها تفاصيل الزيارة، بل من أهمية المبادرة إلى توثيق حدث يجمع بين الإعلام والبيئة والتاريخ، ومن إسهامها في إبقاء هذه العناوين حاضرة في الفضاء العام. إنها مساهمة تذكّر بأن الكلمة، حين توضع في خدمة القضايا التي تستحق، تصبح أداة تقدير وتحفيز وتوعية.
ويستحق «تلفزيون لبنان» بدوره التحية على حضوره في هذه المناسبة، بما يمثّله من رمزية وطنية وتاريخ إعلامي عريق. فالمؤسسات الوطنية لا تحافظ على مكانتها بالشعارات وحدها، بل بتجديد صلتها بالأرض والناس والذاكرة، وبالانفتاح على المبادرات التي تعكس وجه لبنان الثقافي والبيئي والحضاري.
تحية إلى أنطوانيت علوان، التي اختارت أن تمنح هذه الزيارة حقها من الاهتمام، وأن تضيء على مشهد يحمل معاني الوفاء والانتماء والمسؤولية. وتحية إلى كل إعلامي يؤمن بأن رسالته لا تنتهي عند حدود الخبر، بل تبدأ من قدرته على إبراز ما يستحق أن يُرى ويُحفظ ويُروى.
فلبنان الذي نريده لا تحميه الكلمات وحدها، لكنه يحتاج إلى كلمات صادقة تساند الفعل، وإلى إعلام يرفع الصوت دفاعًا عن الطبيعة والتراث والهوية. ومن حرج إهدن، حيث يقف الأرز شامخًا في حضرة الزمن، تبقى الرسالة واضحة: الأوطان تُصان حين تتكاتف المؤسسات والإعلاميون وأهل الأرض لحماية جذورها، وتبقى حيّة حين تجد من يكتب عنها بوفاء، ويضيء على جمالها بمسؤولية، ويحمل صورتها إلى الأجيال المقبلة.