أوهام وأحجام
بقلم: غازي العريضي

النشرة الدولية –
يصرّ الإسرائيلي على استكمال حربه في ظل قرار وقف إطلاق النار! وهي حرب غير مسبوقة، تدمّر فيها القرى بل تجرف، يمحى أثر كل شيئ، يقتل فيها كل شيئ، يتمدّد الاحتلال، لا شيئ محرّماً أو ممنوعاً، اليد مطلقة والملعب مفتوح لهذه الممارسات. فـ”الراعي” “الوسيط” يبيح ويغطي عمليات القتل والتدمير والتهجير والنهب والاستباحة.
آلات القتل لم تتمكن من تحقيق أهدافها السياسية والأمنية المعلنة. والعالقون في المأزق، يمارسون سياسة الهروب إلى الأمام. لا حل سياسياً في الأفق والأوضاع ذاهبة إلى مزيد من التعقيد والتصعيد.
الأميركي يصرّ على عقد لقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتانياهو، تحت النار، واستمرار المفاوضات تحت النار للوصول إلى تثبيت وقف إطلاق النار! وعدم انعقاد اللقاء يعني استمرار الحرب. استمرار “الضرب”. سيبقى اللبنانيون يأكلون ضرباً ويدفعون أثماناً إلى أن يعقد “اللقاء التاريخي الموعود”، الذي بمجرد انعقاده تحل كل الأمور كما يقول أميركيون ولبنانيون راغبون للأسف باستكمال الحرب حتى النهاية، أي التخلّص من “طرف لبناني”، ولو كلّف ذلك توريط الجيش. ويشجعهم على ذلك بعض العرب! فيما يعترف أصحاب الشأن أنهم لم ينجحوا بعد في تحقيق أهدافهم، لا في إيران ولا في لبنان، رغم تصريحاتهم اليومية التي تتحدث عن تدمير أسلحة نوعية “ونووية” “وصاروخية” وبنى تحتية، وتصفية قادة ورموز. كل العالم بات يضيق ذرعاً بالحربين: على إيران وعلى لبنان! والطرف الاسرائيلي ليس في وارد التراجع. وإذا فكر الأميركي بالتراجع أو عقد تسوية بعد فشله مع الإيراني، تحرك الأول في واشنطن رافضاً محرّضاً منبّهاً، محاولاً افتعال أمر واقع جديد على الأرض بالنار والقتل والدمار!
في هذا الجو ترمى علينا “أفكار” ومبادرات وتسريبات تتعلق بمناقشات وأفكار تطرح في عدد من العواصم ودوائر القرار بحثاً عن حل لأزمتنا. وفي “الصالونات” واللقاءات على الشاشات نسمع ونرى تحليلات وترمى معلومات “مؤكدة وموثوقة” كما يقول قائلوها، والأهم أنهم يطمئنوننا بالقول: “نقول ذلك على مسؤوليتنا”! “مصادرنا دقيقة”. والكل عارف ببواطن الأمور وكواليس السياسة الدولية والإقليمية! ويرافق ذلك تهديدات، وأصوات عالية، وشتائم، وتخوين، واتهامات، وانقسام بين فريقين، وإذا ظهر رأي هادئ عاقل موضوعي بعيد عن الإدعاء والعواطف والتوتر والانغلاق، يكاد لا يكون له موقعه أو تأثيره. وهذا أخطر ما تعيشه الحياة السياسية اللبنانية الفارغة إلى حدود بعيدة من الأفكار والبرامج والمبادرات.
نحن في موقع المتلقّي، متلقّي القذائف والرصاص “المدروس” “والطائش”، متلقّي “المعلومات الدقيقة” التي تأسرنا وتعطّل تفكيرنا فلا نبذل جهداً للتدقيق فيها والتمعّن في أبعادها وخلفياتها وأهدافها، ومتلقّي الصدمات والخيبات، والطلبات والضغوطات، إلى حد سد الخيارات أمامنا، ونسكر في ” نشوتنا السيادية” و”الوطنية” ونحن نسمع سفراء وموفدين يتحدثون بلغة “الترهيب والوعيد” والوعود بأيام كارثية تنتظرنا إذا لم نقبل أفكارهم “وأوامرهم”. ويحدثك “مسؤولون” عن أصول الدبلوماسية “واتفاقيات فيينا” وينكفئون بل يصبّ بعضهم الزيت على النار، ويعبّر باعتزاز عن انغماسه في التحليلات والمواقف المذكورة، لأن فيها خلاصاً للبنان، وكل ذلك باسم “دولة القانون والمؤسسات” في وجه الدولة العميقة، وهم بدورهم يساهمون في تعميق “هذه الدولة” والأزمة والهوة بين اللبنانيين.
الأزمة أكبر وأعقد وأصعب من كل مستويات التفكير هذه مع التقدير لحق كل إنسان في التعبير عن رأيه. ومهما كابرنا وعاندنا أو أردنا وأصررنا لا يمكن فصل لبنان عمّا يجري في المنطقة أمام مشروع اسرائيلي مرحلي “تغيير الشرق الأوسط”، واستراتيجي “قيام اسرائيل الكبرى”. وليس في ذلك سر أو تنبوء أو رغبة لا قدّر الله! الاسرائيليون يعلنون ذلك والخطط والمشاريع تمرّر تحتنا وتطلق عناوينها فوق رؤوسنا وتنفذ خطواتها على أراضينا العربية، في ظل غياب عربي جدي فاعل لحماية دولنا وسيادتها وثرواتها وأمنها واستقرارها. ويخطئ من يعتقد أنه إذا قدّم لبنان “هدية” أو “ضحية” في بازارات التفاوض حول حلول للخروج من المأزق، في أميركا واسرائيل، فهو يوفّر حماية لنفسه أو سيقدّم له لبنان، أو دور فاعل فيه في سياق لعبة الطوائف وتبادل الأدوار في الهيمنة، وكل محاولة كلفت بمغامراتها الكثير الكثير. اليوم المسألة أخطر من ذلك، ليس في العقل الاسرائيلي مكان لدور عربي فاعل هنا أو هناك عندما تستهدف الدول بجغرافيتها وأوضاعها الداخلية وأمنها واستقرارها وثرواتها ومستقبلها. التوهّم بأن ما يجري يمكن أن يعزّز وضع طائفة مقابل تراجع أوضاع أخرى هو خطأ كبير. استراتيجية اسرائيل: الحروب الدينية والمذهبية وتتحكم هي بإدارتها وفق مصالحها.
لبنان بلد حساس. دقيق. بحاجة إلى “ميزان الجوهرجي” لإدارته، وحمايته، وهذا لا ينتجه إلا العقل اللبناني الجماعي، غير المركّب والمتماسك والفاعل اليوم. وهذا ما ينبغي العمل عليه بأولوية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا مع كبار يمسكون دفة “الميزان” بعناية، يعرفون تاريخ بلدهم، يعترفون بخصوصيته، يتعلمون من التجارب، بعيداً عن الأحقاد ومنطق تصفية الحساب والمداورة في الغرق في الأوهام وتكبير الأحجام والنتيجة في كل مرة خسارة شيئ من وزن لبنان وقيمته!
فلنفكر بهدوء بكل كلمة تقال لنا، ورواية تروى أمامنا، وطلب يطلب منا. ولنفكر أكثر بعمق وتبصّر وتساؤل بما لا يقال لنا ولنحتكم إلى العقل وندع الغرائز جانباً.
