حرب ملالى طهران.. سباق تسلح بالطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعى
بقلم: حسين دعسة

النشرة الدولية –
الدستور المصرية –
فى الوقت الذى تعب المجتمع الدولى، ومنها بالتحديد دول المنطقة والإقليم والشرق الأوسط، عدا عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولى، أفرج برنامج: «الديمقراطية والصراع والحوكمة» التابع لمؤسسة كارنيجى للسلام الدولى، عن دراسة تحليل موقف، أقرت أنه برز فى سوق السلاح السرى والدولى سباق تسلح متسارع فى مجال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعى.
التحليل وضعة» ستيف فيلدشتاين» الزميل البارز فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى، ضمن برنامج الديمقراطية والصراع والحوكمة الذى أكد أن حرب ملالى طهران على دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية، والولايات المتحدة الأمريكية، وإرهابهم الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الذى وجه ضربات عسكرية إرهابية ضد دول المنطقة، الأردن، ودول الخليج العربى، بالذات الكويت والسعودية والإمارات العربية، والبحرين وعمان وقطر، فيما تذكر «مؤسسة كارنيجى، عبر فيلدشتاين أن العواقب غير المقصودة لاستراتيجية إيران غير المتكافئة وحرب الذكاء الاصطناعى الأمريكية.
وتؤشر القراءة، فى التحليل إلى حقيقة أن: تتميز الحرب الإيرانية بنطاقها وحجمها الفريدين، فهى حرب غير متكافئة وصراع مدعوم بالذكاء الاصطناعى، ما سيختبر حدود حماية المدنيين.
فى ذلك، صرح مصدر إيرانى، أن: طهران- الملالى- مصرة على دفع واشنطن تعويضات الحرب.
.. وفى ذات السياق، نقلت وكالة «تسنيم» عن مصدر مقرب من فريق إيران التفاوضية، أن:
إصرار إيران جاد للغاية على ضرورة دفع الأمريكيين تعويضات بسبب الحرب، ذلك انه:
على واشنطن إدراك أن إنهاء الحرب لن يكون مقابل التزامات نووية، واشنطن تريد ربط مفاوضات إنهاء الحرب بالنووى ولن نقبل ذلك.
الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعى.. حالة حربية!
من موقعه فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى، كشف ستيف فيلدشتاين، عن نتائج تحليل مختلف من حيث المتناول من ساحة الحرب، المفاوضات، والأخطاء المشتركة من البلدان المشاركة فى الحرب، الدول التى توضع الحرب من وإلى، الولايات المتحدة الأمريكية، دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية، ملالى طهران، إيران.
فيلدشتاين، نُشر تحليله بشكل محدود أولًا، ومن ثم ترجم إلى عدة لغات، بتاريخ 13 مايو 2026، والمحلل الأمريكى، فيلدشتاين قطب مهم فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى، ضمن برنامج الديمقراطية والصراع والحوكمة. وتركز أبحاثه على التكنولوجيا والأمن القومى والسياق العالمى للديمقراطية والسياسة الخارجيّة، بما فى ذلك فهم أهداف الحروب، بالتحديد الأمريكية الإسرائيلية، الإيرانية، وأثرها على دول المنطقة والإقليم والشرق الأوسط، خطورة ذلك المستقبلية.
أول حرب ذكاء اصطناعى..!
تقر الدراسة: بعد أسابيع من القتال، أثارت الحرب الإيرانية موجة من التساؤلات حول أهميتها.
فقد وصفها بعض المعلقين بأنها «أول حرب ذكاء اصطناعى» فى العالم، بحجة أن الذكاء الاصطناعى، بالنسبة للولايات المتحدة و-دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية- إسرائيل، قد انتقل من دور داعم إلى محور المعركة.
بينما ركز آخرون على قدرة إيران على شنّ حرب غير متكافئة ضد خصم أقوى بكثير، باستخدام طائرات مسيّرة وضربات صاروخية رخيصة الثمن ضد أهداف حيوية اقتصاديًا، مما يرفع تكاليف استمرار القتال. ويشيرون إلى أن استراتيجية طهران تُقدّم نموذجًا للدول الأضعف التى تواجه جيوشًا قوية كالولايات المتحدة، وهو فى الدراسة يحدد:
1: لم تبدأ حرب الذكاء الاصطناعى مع الحرب الإيرانية. فقد دمجت دول أخرى، مثل إسرائيل وروسيا وأوكرانيا، أنظمة الذكاء الاصطناعى فى عملياتها وجعلتها ركائز أساسية لاستراتيجياتها العسكرية.
2: أن استراتيجية ملالى طهران، إيران غير المتكافئة ليست جديدة. فمنذ نضال جبهة التحرير الوطنى ضد الحكم الفرنسى فى الجزائر فى خمسينيات القرن الماضى، وحتى المواجهات التى خاضتها حركة طالبان وأنصار الله «المعروفون أيضًا بالحوثيين» مع القوات الأمريكية، دأبت الجماعات المسلحة على استخدام تكتيكات غير متكافئة لسد الثغرات أمام خصوم أقوى. وينطبق الأمر نفسه على إيران ووكلائها، الذين تعود استراتيجيتهم فى موازنة تفوقهم العسكرى بأسلحة محلية الصنع إلى أربعة عقود.
3: من المرجح أن تُحدث الحرب مع إيران تحولاتٍ كبيرة. ما يُميز هذا الصراع هو النطاق غير المسبوق الذى تُستخدم فيه هذه التكتيكات على الساحة العالمية. ستجد الدول الأخرى صعوبةً فى تجاهل استراتيجية إيران غير المتكافئة، مما سيدفعها إلى تبنى مناهج مماثلة وتطوير تدابير دفاعية جديدة.
4: إن اعتماد الولايات المتحدة و-دولة الاحتلال الإسرائيلى العنصرية، إسرائيل، المتزايد على الذكاء الاصطناعى العسكرى سيدفع المنافسين إلى السعى لتطوير أسلحتهم الخاصة المُعتمدة على الذكاء الاصطناعى، مما يخلق مخاطر انتشار كبيرة لابتكار لم يُختبر على نطاق واسع، ويفتح الباب أمام تزايد الأضرار التى تلحق بالمدنيين.
5: المنطق الاستراتيجى للحرب غير المتكافئة التى شنتها إيران.. على مدى عقود، واجه قادة إيران سؤالًا محوريًا: ما هو مزيج الاستراتيجيات الذى سيمكنهم من الصمود أمام الضغوط العسكرية الخارجية مع زيادة التكاليف على خصومهم؟
ترامب: كنت على بُعد ساعة من ضرب إيران
ما برز من مقاربات، وتحليل مؤسسة كارنيجى الدولية، وفق دراسة وتحليل فيلدشتاين، تضعنا ضمن عدة مساحات من الغوغائية التى تحيط بالإعلام الأمريكى والغربى، وبالتالى الخليجى، الذى يسمع كل ما يصل، عن الإدارة الأمريكية والبنتاجون، ووزارة الحرب الأمريكية، والكابنيت الإسرائيلى الصهيونى، ذلك أن هذا الخلط والتضليل، يصلنا للأسف عبر ما يقول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، وهو صرح، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة كانت على وشك تنفيذ هجوم جديد ضد إيران، مؤكدًا أنه علق القرار فى اللحظات الأخيرة، لكنه لوح بإمكانية العودة إلى الخيار العسكرى خلال أيام إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يمنع طهران من امتلاك سلاح نووى.
ترامب، فى تصريحات أدلى بها للصحفيين فى البيت الأبيض يرسم حركته: «كنت على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار الهجوم اليوم»، مضيفًا أن العملية العسكرية التى قرر تعليقها «كانت ستكون جارية الآن داخل إيران».
وهو يهدد، بطريقة أقل صخبًا من السابق، فى وجه الإعلام: «سأعطى يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، أو ربما الأسبوع المقبل، لكنها فترة زمنية محدودة، لأنه لا يمكن أن أسمح لهم بامتلاك سلاح نووى».
ذلك أن، بحسب الرئيس ترامب، أن الولايات المتحدة «لا بد أن تضمن ألا تحصل إيران على سلاح نووى»، معتبرًا أن طهران «تريد نسف الشرق الأوسط»، لكنه شدد على أن ذلك «لن يحدث».
الجذور: ما قبل المفاوضات أو الرقص مع الصواريخ
تعود جذور هذه المعضلة، الحروب مع وعلى ملالى طهران، يقودنا المحلل فيلدشتاين، إلى أربعة عقود مضت، إلى الصراع الإيرانى العراقى فى ثمانينيات القرن الماضى، حين وجد النظام الثورى الإيرانى الناشئ نفسه فى وضع حرج. قبل قيام النظام، كان الإنفاق العسكرى يتركز على شراء أنظمة أمريكية باهظة الثمن، مثل طائرات إف-14 تومكات، ودبابات إم60، ومروحيات إيه إتش-1 سوبر كوبرا. بعد إجبار الشاه على المنفى عام 1979، انهار هذا النهج ؛ إذ انشق طيارون عسكريون مدربون، وعلقت أصول عسكرية كبيرة فى الخارج، ولم يتمكن النظام من صيانة المعدات الموجودة أو الحصول على قطع غيار أو أنظمة جديدة بسبب العقوبات الدولية.
ونتيجة لذلك، عندما اندلع القتال بين العراق وإيران عام 1980 عقب هجوم مفاجئ من بغداد، واجهت إيران خيارًا صعبًا: التكيف مع الظروف المتغيرة أو المخاطرة بهزيمة مُذلة.
ونتيجة لذلك، كثّفت طهران جهودها لبناء صناعة عسكرية محلية لا تعتمد على قوى أجنبية أو منصات باهظة الثمن. وركّزت على تطوير تقنيات غير متكافئة، لا سيما الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية. ظهر أول نموذج أولى للطائرة المسيّرة، مهاجر-1، عام 1985، تبعه أبابيل-1 فى العام التالى.
صُممت كلتا الطائرتين للمراقبة الميدانية، لرصد تحركات القوات العراقية على خطوط المواجهة. فى السنوات اللاحقة، انتشرت إيران بـ«عشرات النماذج المختلفة من الطائرات المسيّرة»، بعضها صُنع محليًا فى المقام الأول، والبعض الآخر استُورد من شركات أجنبية، مثل شركة سيمنس الألمانية.
أصبحت هذه الطائرات المسيّرة جزءًا أساسيًا من ترسانة إيران، ومع مرور الوقت، أصبحت طهران موردًا رئيسيًا لتكنولوجيا الطائرات المسيّرة الفتاكة، مُزوّدةً شبكتها من الميليشيات الشيعية بأسلحة قوية.
والإطار المهم ما كشف عنه فيلدشتاين، أن ملالى طهران، بحلول عام 2026، كانت إيران قد راكمت عقودًا من الخبرة فى تصميم وبناء ونشر طائرات مسيرة وصواريخ باليستية منخفضة التكلفة. وتراوحت تكلفة إنتاج طائرات شاهد-136 المسيرة، التى استخدمها الحوثيون لأول مرة لضرب منشآت شركة أرامكو السعودية النفطية عام 2019، بين 20 ألفًا و50 ألف دولار.
أما الصواريخ الباليستية فكانت أغلى ثمنًا، إذ تراوحت تكلفتها بين مليون ومليونى دولار، لكنها مع ذلك كانت أرخص بكثير من صواريخ باتريوت أو نظام الدفاع الصاروخى الطرفى عالى الارتفاع «ثاد» اللازمة لاعتراضها. وقدّر المحللون أن طهران خزّنت آلاف الطائرات المسيرة «وقدّر بعض الخبراء أن العدد قد يصل إلى 80 ألف طائرة» وجمعت ما بين 2500 و4000 صاروخ باليستى.
كما امتلكت طهران القدرة على إنتاج مئات الصواريخ الإضافية، وربما آلاف الطائرات المسيرة شهريًا. وقد منح حجم هذه الأعداد، إلى جانب تكلفتها المنخفضة، الملالى، إيران خيارات قيّمة. فمن خلال نشر الصواريخ والطائرات المسيرة بكميات كبيرة ضد أهداف محددة، يمكنها إغراق الأنظمة الدفاعية. حتى لو تم إسقاط معظم طائراتهم الهجومية بدون طيار، فإن معدل بقاء يتراوح بين 10 و20 بالمائة فقط سيجعل الاستراتيجية قابلة للتطبيق.
موضحًا البيانات الآتية:
أ: الأسبوع الأول من الحرب
فى الأسبوع الأول من الحرب وحده، أطلقت إيران أكثر من 2000 طائرة مسيّرة و500 صاروخ باليستى على أهداف أمريكية وإقليمية.
ب:4400 هجوم بطائرات مسيّرة
بحلول وقت التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كانت طهران قد أطلقت أكثر من 1300 صاروخ، ونفذت أكثر من 4400 هجوم بطائرات مسيّرة. ورغم أن العديد من هجمات الطائرات المسيّرة الإيرانية الأولية تم اعتراضها أو أخطأت أهدافها، إلا أن دقتها تحسنت مع مرور الوقت، على الأرجح بفضل المساعدة الروسية فى تحديد الأهداف.
ج: أضرار أو تدمير 228 منشأة أو معدات عسكرية
كشفت التحقيقات اللاحقة أن الضربات الإيرانية أصابت أهدافًا أكثر مما تم الإعلان عنه سابقًا، ما أدى إلى إلحاق أضرار أو تدمير ما لا يقل عن 228 منشأة أو معدة عسكرية فى مواقع متفرقة فى الشرق الأوسط.
د: فى إرهاب ملالى طهران ضد الخليج
من بين الخسائر الكبيرة تدمير طائرة الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوًا من طراز E-3 AWACS على مدرج قاعدة جوية سعودية، وهى مركز قيادة طائر يسمح بالمراقبة الجوية لمساحة تصل إلى 120 ألف ميل مربع، بقيمة 540 مليون دولار. تحطمت طائرة استطلاع بدون طيار من طراز MQ-4C ترايتون، تبلغ قيمتها 240 مليون دولار، بالقرب من الخليج العربى فى أبريل/نيسان، وأسقطت إيران نحو 24 طائرة بدون طيار من طراز MQ-9 ريبر بتكلفة تجاوزت 700 مليون دولار.
والأهم من ذلك، دمرت غارات إيرانية رادار AN/TPY-2 بقيمة 300 مليون دولار فى قاعدة موفق سلتى الجوية بالأردن، وهو المستشعر الرئيسى لمنظومة الدفاع الصاروخى ثاد، ومن المرجح أنها ألحقت أضرارًا بالعديد من الرادارات الأخرى فى السعودية والإمارات.
عن ترامب والتفاوض والضغوط العسكرية
لكى نقف على محتوى تحليل ودراسة كارنيجى، نعود إلى قول الرئيس الأمريكى ترامب، وهو يحيل إلى أن إدارته تواصل التفاوض مع إيران، معربًا عن أمله فى عدم الاضطرار إلى تنفيذ مزيد من العمليات العسكرية، لكنه أقرّ بأن واشنطن «قد تضطر لتوجيه ضربة قوية أخرى». وأضاف أن «هناك قادة تواصلوا معه خلال اليومين الماضيين وأبلغوه بوجود تقدم كبير بشأن إيران»، مشيرًا إلى أن الأمور «ستنفرج سواء بحل عسكرى أو عبر اتفاق».
.. وهذا يفسر تلك الثغرات التى يستفيد منها ملالى طهران، والجيش الثورى الإيرانى، والمرشد الأعلى مجتبى خامنئى، فالرئيس ترامب، يتردد ويقول: «لست متأكدًا من أننا سنوجه ضربة لإيران»، مضيفًا أن إيران «لن تحصل أبدًا على سلاح نووى»، وأن التوصل إلى اتفاق «مرجح فى القريب العاجل». كما اعتبر أن طهران «تعلمت درسًا»، وأن مضيق هرمز «مياه دولية وليس ملكًا لإيران».
وأشار ترامب، فى حديثه عن تداعيات أى مواجهة عسكرية، إلى أنه كان يتوقع أن تتراجع الأسواق بنسبة 25% إذا جرى تنفيذ الهجوم، لكنه أضاف أنه «لم يكن لديه مانع من ذلك لتفادى محرقة نووية».
وأشار إلى أن الجدل الداخلى الأمريكى بشأن شعبية الحرب لا يغير موقفه، قائلًا: «سواء حظى التحرك العسكرى ضد إيران بدعم شعبى أم لا، فإننى لن أسمح بأن يُنسف العالم أمام عينى».
كيف أمكن إشعال سباق تسلح إقليمى؟!
لكن، يستدرك فيلدشتاين، إلى حقيقة أن ملالى طهران، إيران لم تحصر هجماتها المضادة فى المنشآت العسكرية الأمريكية.
وإن، شكّل التصعيد الأفقى ضد أهداف حيوية اقتصاديًا فى المنطقة ركيزة أخرى من استراتيجيتها. ولتحقيق هذه الغاية، استهدف النظام البنية التحتية للطاقة، والمطارات، والمناطق السكنية، والمنشآت الدبلوماسية، وحقول النفط، ومحطات تحلية المياه فى البحرين، والعراق، والكويت، وعُمان، وقطر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وتعرضت أكثر من ثمانين منشأة طاقة للهجوم فى المنطقة، ولحقت أضرار جسيمة بثلثها. وشملت الأهداف الرئيسية مصفاة الرويس فى الإمارات العربية المتحدة، إحدى أكبر مصافى النفط فى العالم، ومنشأة رأس تنورة التابعة لشركة أرامكو السعودية، وهى أكبر منشأة لمعالجة النفط الخام فى البلاد بطاقة إنتاجية يومية تبلغ 550 ألف برميل.
كما أدت الهجمات إلى توقف 17% من شحنات الغاز الطبيعى المسال فى قطر، ما يُترجم إلى خسائر فى الإيرادات السنوية بقيمة 20 مليار دولار. قال سعد الكعبى، الرئيس التنفيذى لشركة قطر للطاقة ووزير الدولة لشئون الطاقة: «لم يخطر ببالى قط، حتى فى أسوأ كوابيسى، أن قطر – قطر والمنطقة- ستتعرض لمثل هذا الهجوم». وفى نهاية المطاف، أغلقت إيران مضيق هرمز باستخدام الألغام والطائرات المسيّرة والسفن الهجومية الصغيرة والصواريخ المضادة للسفن.
لا شك أن ثمن استراتيجية إيران كان باهظًا. فقد قُضى على معظم قيادتها العليا، وتضررت قواتها البحرية بشدة، وتكبد اقتصادها خسائر بلغت 270 مليار دولار، أى ما يعادل 57% من ناتجها المحلى الإجمالى.كما تسببت فى دمار هائل للمدنيين، حيث قُتل ما لا يقل عن 1700 شخص، إلى جانب تدمير واسع النطاق للمبانى السكنية والمدارس والمستشفيات والجسور. فى المقابل، يبدو أن الجيش الإيرانى فى وضع أفضل مما توقعه المحللون فى البداية، إذ تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن إيران استعادت استخدام معظم مواقع إطلاق صواريخها، بل وأعادت تشغيل 30 موقعًا من أصل 33 موقعًا صاروخيًا على طول مضيق هرمز. باختصار، لعبت إيران بذكاء فى ظل الظروف الراهنة، وأظهرت مرونة أكبر مما توقعته إدارة دونالد ترامب. فما هى العواقب إذن؟.
إعادة النظر فى الاستراتيجيات العسكرية فى دول المنطقة والخليج
يقرأ الأحداث، بطرق مختلفة، جيوسياسية أحيانا وعسكرية وأمنية غالبًا مصادرها الدول المتحاربة، الإشارة إلى ضرورة إعادة النظر فى الاستراتيجيات العسكرية..
ويفسر فيلدشتاين: فى حين أن تعزيز القدرة على الصمود فى وجه طهران يخدم مصلحة مشتركة، إلا أنه قد يؤدى أيضًا إلى ديناميكية انتشار الأسلحة.
إحدى النتائج المترتبة على ذلك هى أن إصرار إيران سيحفز دولًا أخرى فى المنطقة على إعادة النظر فى استراتيجياتها العسكرية. فقد أثبتت إيران بشكل قاطع أن الذخائر الرخيصة والدقيقة المصنعة بكميات كبيرة يمكن أن تكون مدمرة للغاية لخصومها. وللتصدى لطائرات إيران المسيرة وصواريخها، أنفقت دول الخليج مئات الملايين من الدولارات على إسقاط صواريخ اعتراضية باهظة الثمن، ومع ذلك تكبدت خسائر فادحة. لكن هذه ليست استراتيجية مستدامة ولا ناجحة. فى أواخر مارس، زار الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى المنطقة، وتوقف فى السعودية وقطر والإمارات.
ومن المؤكد أن إحدى الرسائل الأساسية كانت أن ابتكارات أوكرانيا فى ساحة المعركة، ولا سيما ذخائرها المضادة للطائرات المسيرة، يمكن أن تردع الضربات الإيرانية وتحمى البنية التحتية المدنية بتكلفة زهيدة. ومن المرجح أن المناقشات تناولت أيضًا كيفية تطوير دول المنطقة وتوسيع نطاق صناعات الطائرات المسيرة المحلية، مثل أوكرانيا، التى أنتجت 3 ملايين طائرة مسيرة فى عام 2025 وتخطط لإنتاج أكثر من 7 ملايين هذا العام.
فى حين أن تعزيز القدرة على مواجهة طهران يخدم مصلحة مشتركة، إلا أنه قد يؤدى أيضًا إلى ديناميكية انتشار أسلحة الطائرات المسيّرة، حيث تبدأ دول متعددة بتصنيع كميات هائلة منها بأسعار زهيدة لاستخدامها ضد إيران أو حتى ضد بعضها البعض. ومع انخفاض تكاليف الإنتاج، ستتضاءل عوائق النشر، مما يخلق حوافز سلبية للدول لتوسيع ترساناتها من الطائرات المسيّرة وإشعال سباق تسلح إقليمى.
القيادة المركزية: الحصار البحرى منحنا نفوذًا
لن يتم فهم الترابط بين التقارير والدراسات التى تتابع الحرب، إلا من خلال فهم ما يصلنا من تصريحات عسكرية أو أمنية أمريكية أو شريكها الإسرائيلى، فمن جهته، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر، إن إيران «تشكل تهديدًا للولايات المتحدة وللشعب الإيرانى أيضًا»، بسبب برنامجها الصاروخى وشبكة حلفائها الإقليميين، وفى مقدمتهم «حزب الله» و«حماس».
كوبر، خلال شهادته أمام الكونجرس، اضطر إلى كشف أن القوات الأمريكية «عطلت مسار 88 سفينة كانت متجهة إلى الموانئ الإيرانية»، مؤكدًا أن «الحصار البحرى وفر نفوذًا قويًا فى المفاوضات».
وأشار إلى أن إيران «أصبحت أقل قدرة مما كانت عليه قبل عمليتى «مطرقة منتصف الليل» و«الغضب الملحمى»، مضيفًا أن إمدادات «حماس» و«حزب الله» والحوثيين «قُطعت»، وأن احتمال تكرار هجوم السابع من أكتوبر «تم القضاء عليه».
تطبيع الهجمات العسكرية على البنية التحتية المدنية
تترك كارنيجى، مساحات للحوار أو الاختلاف، فهى تكشف ان هناك دلالات على أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تُرسّخ استراتيجية الملالى، باتت سابقةً خطيرةً تُؤدى إلى تطبيع الهجمات على البنية التحتية المدنية على نحو متزايد، رغم حظرها بموجب القانون الدولى الإنسانى. ونظرًا لاختلال التوازن العسكرى بين إيران والولايات المتحدة، فإنها تواجه دوافعَ لـ«تقويض تفوقها» بتجاهل قواعد الحرب الأساسية، واستهداف منشآت الطاقة ومحطات تحلية المياه وغيرها من الأصول المدنية.
وقد تُجرى دولٌ أخرى حساباتٍ مماثلة. فعندما يرفض عدوٌ ما القانون الدولى الإنسانى بشكلٍ منهجى، قد يلجأ خصومه إلى نهجٍ مماثل، ساعين إلى تحييد تفوق الخصم بمهاجمة المستشفيات والمدارس والجسور ومحطات توليد الطاقة. ويُحذّر الاتحاد الدولى للصليب الأحمر من أن هذا قد يُؤدى إلى «تأثيرٍ تنازلى»، حيث يكون لدى جميع الأطراف دافعٌ لتجاهل معايير الحماية الدولية، ما يُعرّض المدنيين لأوضاعٍ أكثر خطورةً من أى وقتٍ مضى.
وايضًا كشف رد إيران عن قصور استراتيجية الولايات المتحدة الحالية. فقد كانت التكلفة الباهظة للدفاع ضد هجمات إيران المتواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ هائلة. ففى الأيام الأولى للحرب، استهلكت دول المنطقة أكثر من 800 صاروخ باتريوت. ويبلغ سعر كل صاروخ اعتراضى من طراز PAC-3 حوالى 3.7 مليون دولار، وتتضمن الممارسة المعتادة إطلاق صاروخين اعتراضيين لضمان تحييد التهديد المقبل. أما صواريخ ثاد فهى أغلى ثمنًا، حيث يبلغ سعر الصاروخ الاعتراضى الواحد 12.7 مليون دولار. يقول آرثر إريكسون، الرئيس التنفيذى لشركة هايليو لتصنيع الطائرات المسيّرة: «نسبة التكلفة لكل إطلاق، لكل عملية اعتراض، هى فى أفضل الأحوال 10 إلى 1، ولكنها قد تصل إلى 60 أو 70 إلى 1 لصالح إيران».
وقدّر المحللون أن واشنطن أنفقت ما بين مليار ومليارى دولار يوميًا على حملتها، بإجمالى تكاليف تجاوزت 25 مليار دولار. مع استمرار الحرب، برزت مخاوف جديدة بشأن ندرة الموارد: فقد انخفض مخزون أمريكا من الأسلحة الأساسية إلى مستويات خطيرة، فمنذ بداية الحرب، أطلق الجيش الأمريكى أكثر من ألف صاروخ توماهوك، واستهلك نحو نصف مخزونه من صواريخ كروز الشبحية بعيدة المدى. وقد أدى ذلك إلى تراجع استعداد أمريكا لخوض حرب أخرى، وأثار تساؤلات وجودية حول كيفية تعاملها مع صراع طويل الأمد ضد خصم قوى كالصين.
هنا أهمية فهم ما تم تحليله:
أولًا: «التكلفة الباهظة للدفاع السلبى»
كشف رد إيران عن قصور استراتيجية الولايات المتحدة الحالية. فقد كانت التكلفة الباهظة للدفاع «السلبى» ضد هجمات إيران المتواصلة بالطائرات المسيرة والصواريخ هائلة.
ثانيًا: «البنتاجون قلل من تأثير الطائرات بدون طيار»
فى حين أن البنتاجون ربما قلل من شأن تأثير الطائرات بدون طيار الرخيصة والاضطرابات الناجمة عن استراتيجية إيران غير المتكافئة، إلا أن أحد المجالات التى برز فيها الجيش الأمريكى هو استخدامه لأنظمة الذكاء الاصطناعى العسكرية.
ثالثًا: «صعود حروب الذكاء الاصطناعى»
تكشف الأرقام بوضوح عن حقيقة جلية. ففى أول أربع وعشرين ساعة من الحرب مع إيران، شنت الولايات المتحدة غارات على أكثر من ألف هدف، أى ما يقارب اثنين وأربعين هدفًا فى الساعة. وبحلول وقت وقف إطلاق النار، كانت القوات الأمريكية قد دمرت أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف. «وصل الوضع إلى مرحلة استنفد فيها مخططو البنتاجون معظم أهداف إيران ذات القيمة العالية».
ولم يكن هذه الوتيرة من الضربات ممكنًا لولا استخدام أداة جديدة: نظام مافن الذكى، الذى تشرف عليه شركة بالانتير ويعمل حاليًا بنظام الذكاء الاصطناعى كلود من شركة أنثروبيك.
كان نظام مافن استجابةً لمشكلة معقدة: فبحلول منتصف العقد الأول من الألفية الثانية، كان البنتاجون غارقًا فى بيانات المراقبة المستقاة من لقطات الطائرات المسيّرة، واعتراض الإشارات، والهواتف المحمولة، وحركة الإنترنت.
وكان يفتقر إلى طريقة فعّالة لمعالجة هذه المعلومات لتحديد الأهداف. فى الماضى القريب، كان الضباط يُسجّلون الأهداف فى جداول بيانات مايكروسوفت إكسل، ويستخدمون شرائح باوربوينت لعرض البيانات، ويُدرجون تقارير تحليلية فى مستندات وورد تُرسل إلى القادة لاتخاذ الإجراءات اللازمة. كان الجيش بحاجة ماسة إلى أداة تُسرّع بشكل كبير من عملية تحديد الأهداف إلى تنفيذها. وهنا برز دور مافن. فى جوهره، يُشبه النظام برامج إدارة المشاريع القياسية للشركات، ولكن مُعاد تصميمها للاستخدام العسكرى.
بعد إضافة كلود إلى النظام فى عام 2023، أصبح مافن قادرًا على دمج المعلومات الاستخباراتية من مصادر متعددة فى واجهة تشغيلية واحدة. خلال الحرب الإيرانية، حدّد النظام الأهداف ورتّبها حسب الأولوية فى الوقت الفعلى، وأنشأ إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمى «GPS» للضربات، واقترح أنظمة أسلحة مُحدّدة تُناسب كل عملية على أفضل وجه. بل إن النظام كان يُصيغ «مبررات قانونية آلية» أثناء التنفيذ. وبمجرد اكتمالها، يتم إرسال حزم الاستهداف إلى الضباط القادة للموافقة النهائية والتنفيذ، وتتم العملية بأكملها فى «أربع نقرات».
كانت النتائج مذهلة. كتبت كاترينا ماسون فى كتابها «مشروع مافن»: «انتقلت الولايات المتحدة من القدرة على إصابة أقل من مئة هدف يوميًا إلى القدرة على إصابة ألف هدف. وبالإضافة إلى دمج نماذج لغوية ضخمة «مثل كلود» فى منصة مافن، ارتفع هذا العدد خمسة أضعاف ليصل إلى خمسة آلاف هدف يوميًا»
وبناءً على ذلك، فإن نظامًا يعمل بهذه السرعة والكثافة سيؤدى إلى آثار سلبية. ببساطة، اختصر نظام مافن سلسلة العمليات القتالية بتقليل عدد الأفراد المشاركين بشكل كبير. فى صراعات سابقة، مثل حرب العراق عام 2003، احتاج البنتاجون إلى 2000 شخص يعملون على مدار الساعة لتنفيذ حوالى 20000 ضربة.
ولكن بحلول عام 2020، كان بإمكان 20 جنديًا فقط باستخدام نظام مافن إنجاز نفس حجم المهام. وضع البنتاجون هدفًا أكثر طموحًا فى عام 2024، وهو تحقيق 1000 قرار استهداف فى الساعة، أو «قرار واحد كل 72 ثانية». كانت الأولوية للكفاءة: تحديد وضرب المزيد من الأهداف فى فترة زمنية قصيرة باستخدام عدد أقل من الأفراد. ولتحقيق هذه الغاية، أثبت نظام مافن نجاحه، لكن التضحيات كانت كبيرة.
ويقر التحليل، عسكريًا وأمنيًا:
بشكل أساسى، يتطلب ضغط سلسلة القتل إزالة نقاط الاحتكاك البيروقراطى.
فى جوهرها، تتطلب عملية تقليص سلسلة العمليات إزالة نقاط الاحتكاك البيروقراطية. كانت بعض الممارسات غير فعّالة، مثل نقل بيانات الاستهداف يدويًا عبر جداول بيانات متعددة، بينما مثّلت ممارسات أخرى نقاط تفتيش مقصودة للرقابة، مثل اشتراط الحصول على الموافقات قبل الانتقال إلى مرحلة الاستهداف التالية.
لم يقتصر تأثير إزالة البنتاجون للعوائق الإجرائية على إلغاء عمليات التحقق فحسب، بل قلّص أيضًا الوقت المخصص لمعالجة المعلومات الواردة. فعندما يمنح النظام الضباط سبعين ثانية فقط لاتخاذ قرار بشأن المضى قدمًا فى حزمة الاستهداف، فإن التصميم يُرجّح بطبيعته قرارات الموافقة، حتى فى حال انخفاض مستوى الثقة. والنتيجة: المزيد من الأخطاء وإلحاق المزيد من الضرر بالمدنيين.
كيف طوّر جيش الاحتلال الإسرائيلى، برنامج ذكاء اصطناعى يُدعى «لافندر»..؟!
مهم جدًا، ما يكشف أثناء بعض الحروب التى عاشتها وما زالت دول المنطقة، ومن ذلك ما كشفته فيلدشتاين: حول تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعى العسكرية، ثمة أسباب وجيهة للقلق. فعلى سبيل المثال، طوّر جيش الدفاع الإسرائيلى برنامج ذكاء اصطناعى يُدعى «لافندر»، والذى لعب دورًا محوريًا فى توجيه الصواريخ والقنابل فى حرب- إبادة سكان- غزة. صُمّم البرنامج لتحديد عناصر حماس والجهاد الإسلامى المشتبه بهم كأهداف محتملة؛ وقد سجّل ما يصل إلى 37 ألف فلسطينى لاستهدافهم بغارات جوية محتملة فى الأسابيع الأولى من الصراع.
لكنّ أفراد جيش الدفاع الإسرائيلى كانوا يواجهون فترات زمنية ضيقة للغاية للموافقة على قرارات «لافندر»، لا تتجاوز 20 ثانية لكل حزمة استهداف. والأكثر إثارة للقلق، أن النظام ارتكب أخطاءً فى نحو 10% من الحالات، حيث صنّف أفرادًا ذوى صلات ضعيفة- أو معدومة الصلة- بالجماعات المسلحة. وبالنظر إلى حجم الضربات التى تمّت الموافقة عليها عبر «لافندر»، فإنّ نسبة خطأ 10% تعنى على الأرجح إصابة أو مقتل آلاف المدنيين عن طريق الخطأ.
حقائق عن حرب الدول الثلاث
أما فيما يتعلق بالحرب الإيرانية، فقد أظهرت التقارير أن:
1: الضربات الأمريكية ألحقت خسائر فادحة بالمدنيين والبنية التحتية. وأكدت تقارير صحيفة «نيويورك تايمز» وقوع أضرار فى 22 مدرسة على الأقل و17 منشأة رعاية صحية، بما فى ذلك مدرسة فى ميناب، حيث أسفرت غارة أمريكية عن مقتل أكثر من 150 طفلًا.
2: أن حجم الدمار كان على الأرجح أكبر بكثير: فقد وثّقت جمعية الهلال الأحمر الإيرانى، وهى المنظمة الإنسانية الرئيسية للإغاثة فى البلاد، تضرر 763 مدرسة على الأقل و316 منشأة رعاية صحية فى الحرب.
3: يثير هذا المستوى المذهل من الأضرار تساؤلات ملحة حول دقة نظام مافن ومدى فعالية الرقابة التى فرضها البنتاجون على الاستهداف.
4: عندما تُضغط سلسلة القتل إلى درجة يصبح فيها الإشراف البشرى الفعال رمزيًا إلى حد كبير، فإن التوازن بين السرعة والدقة يختل بشدة، ويصبح إبطاء العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعى ضروريًا.
5: على أقل تقدير، يُقوّض سجل الذكاء الاصطناعى العسكرى غير المتسق الادعاءات بأن دمج نماذج لغوية ضخمة وقوية فى الاستهداف سيؤدى إلى دقة أكبر أو تمييز أفضل بين المدنيين والمقاتلين. والأكثر إثارة للقلق.
6: تشير الباحثة القانونية الإسرائيلية ياهلى شيريشيفسكى فى مقال مصاحب لمؤسسة كارنيجى، إلى أن وتيرة وحجم الاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعى يُنذران بمستويات ضرر أكبر بكثير مما كان متوقعًا، مما يُقوّض مبدأ ضبط النفس الذى يُمثّل جوهر القانون الدولى الإنسانى- وهو فكرة أن على الجيوش الحد من كيفية خوضها للحرب لمنع المعاناة غير الضرورية.
ماذا يريد فيلدشتاين؟!
حتمًا، يمكن التحليل الموازى لكل تقرير فيلدشتاين، لكى نعرف ما يريد، أو لنحدد، ماذا تريد المؤسسات التى يعمل معها، وهو هنا يضعنا فى بنك أهداف مختلف، متوافق مع ما يريد:
تتميز الحرب الإيرانية بنطاقها وحجمها الفريدين، حيث استُخدمت فيها الحرب غير المتكافئة والصراع المدعوم بالذكاء الاصطناعى. ويُشكل كلا النهجين مخاطر انتشار الأسلحة ويختبران حدود حماية المدنيين. فى ظل بيئة تنافسية متزايدة، ستُغرى العديد من الدول باللجوء إلى حلول الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والقابلة للتطوير، وتحقيق مكاسب فى الكفاءة من خلال الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعى العسكرية.
وتواجه الدول خطر الانزلاق إلى سباق تسلح متسارع فى مجال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعى، فى الوقت الذى تتضاءل فيه القواعد التى تحكم النزاعات المسلحة فى ظل الحرب الروسية فى أوكرانيا، والحملات الإسرائيلية فى غزة ولبنان، ومناورات ترامب فى إيران. وكما حذر زيلينسكى فى خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضى، يحتاج العالم بشكل عاجل إلى «قواعد عالمية الآن لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأسلحة». لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكان القادة الدوليين حشد الإرادة السياسية اللازمة لوضع قيود دنيا على استخدام هذه التقنيات.
. وعمومًا، ما زالت الحرب ممكنة تصعيدها بات فى خانة التأجيل التكتيكى، اعتبارات، اقتنع بها الرئيس الأمريكى ترامب، وهو يكشف أن الوساطة الخليجية، حددت إطار توقيف أو تجميد أو تأجيل الحرب، والمحلل السياسى الأمريكى ستيف فيلدشتاين، زميل بارز فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى ضمن برنامج الديمقراطية والصراع والحوكمة. وتركز أبحاثه على التكنولوجيا والأمن القومى والسياق العالمى للديمقراطية والسياسة الخارجيّة.
الديمقراطية والصراع والحكم
يُعدّ برنامج الديمقراطية والصراع والحوكمة مصدرًا رائدًا للبحوث والكتابات والتوعية المستقلة فى مجال السياسات المتعلقة بالديمقراطية والصراع والحوكمة على الصعيد العالمى. ويقوم البرنامج بتحليل الجهود الدولية الرامية إلى الحد من التراجع الديمقراطى، وتخفيف حدة الصراع والعنف، والتغلب على الاستقطاب السياسى، وتعزيز المساواة بين الجنسين، ودعم الاستخدامات المؤيدة للديمقراطية للتقنيات الحديثة، والسعى إلى تحسينها.
برغم ذلك، ترامب يمتدح ولايته، وحروب، فالعالم يقف على حد سيف دمشقى، لوث بالدم والموت، وها المنطقة تعيش الخوف من تصاعد رائحة الحرب، التضخم يهد كل معالم التنمية المستدامة والحال قد يستفحل إذا لم يتم إنهاء التفكير بالحرب.
يبدو أن الشرق الأوسط على حافة الهاوية مجددًا، إذ يبدو أن ترامب على وشك إشعال الحرب مجددًا مع إيران. وتشير التقارير الصحفية إلى أنه سيجتمع مع مستشاريه العسكريين يوم الثلاثاء، مع أننى أعتقد أن الاجتماع والقرار سيصدران على الأرجح قبل ذلك. وخلال الساعات القليلة.
ينبغى لنا أولًا أن ندرك أن إعادة إشعال الحرب بمثابة اعتراف بفشل مناورة ترامب التصعيدية السابقة- حصار الحصار. وهذا بدوره كان اعترافًا بفشل الحرب، وهو اعترافٌ بفشل التهديدات بالحرب فى يناير. وكما سبق أن أوضحتُ فى مدونتى على منصة Substack، فإن هذا البحث الدءوب عن حلٍّ تصعيديٍّ قادرٍ على إخضاع إيران ليس حكرًا على ترامب، بل أصبح سمةً بارزةً فى السياسة الأمريكية تجاه إيران لعقود.
رغم إحراز المفاوضين تقدمًا ملموسًا على عدة جبهات، إلا أن المحادثات لم تُفضِ حتى الآن إلى اتفاق، ويعود ذلك فى معظمه إلى الخلافات الجوهرية حول مخزون طهران من اليورانيوم عالى التخصيب. ومع إدراك واشنطن أن الحصار يأتى بنتائج عكسية، برزت ديناميكية جديدة وخطيرة: إذ يعتقد كلا الجانبين الآن أن جولة أخرى من القتال ستعزز موقفهما فى المفاوضات اللاحقة.
كما أوضحتُ فى العديد من المقابلات فى يناير، قلّل ترامب بشكلٍ كبير من شأن قوة إيران، بينما اعتقد المتشددون فى طهران أن الحرب ستعزز نفوذ إيران بكشفها زيف ضعفها. ورأوا أن نتيجة الصراع أكدت صحة هذا التقييم، ما زاد من ثقتهم، بل وشجعهم، بشأن ما قد تُسفر عنه جولة ثانية من الحرب. وقد أُبلغتُ أن المرشد الأعلى الجديد ينتمى إلى هذا المعسكر.
علاوة على ذلك، وكما تعتقد طهران أن ترامب يعتزم شن الحرب القادمة بضراوة أكبر بكثير، فإن المخططين الإيرانيين يستعدون لحملة انتقامية أوسع نطاقًا وأكثر قسوة، تتضمن أهدافًا وغايات استراتيجية جديدة.
. وليس سرًا، أن العم سام، والإدارة الأمريكية والبنتاجون، ترافق ما تم غمره، فى عالمنا، من الرئيس ترامب، وهو يكتب ويكتب، فى موقع «تروث سوشيال» بسيل من التهديدات النارية. وبينما قد يكون بعض هذا مجرد استعراض سياسى يهدف إلى إخضاع طهران، فإن مصادر فى العاصمة الإيرانية تُخبرنى أنها تتوقع أن تستأنف الولايات المتحدة الأعمال العدائية خلال الـ48 ساعة المقبلة.
يفهم من ذلك، وفق منطق رياضى وضعه محكم ومحلل النشرة الإخبارية لتريتا بارسى.د الأمريكية:
أولًا: إرهاب إيرانى مخطط له
يصف المسئولون الإيرانيون الحرب المقبلة بشكل متزايد بأنها فرصة لإلحاق أقصى قدر من الضرر الاستراتيجى بدولة الإمارات العربية المتحدة، مستشهدين بدور أبوظبى النشط فى الصراع السابق، وشراكتها المتعمقة والمتزايدة الوضوح مع إسرائيل، ودورها فى حث ترامب على استئناف الأعمال العدائية.
من المرجح أن تستهدف طهران مراكز البيانات الأمريكية فى الإمارات، فى خطوة تخدم أغراضًا متعددة.
إذ يرى المسئولون الإيرانيون أن شركات التكنولوجيا الأمريكية هذه قد أصبحت بالفعل طرفًا فى الصراع من خلال دعمها لوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون». وفى الوقت نفسه، ترى طهران فرصةً لعرقلة طموحات الإمارات فى أن تصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعى، وبالتالى تقويض منافسة واشنطن للصين فى هذا المجال.
ثانيًا: مصالح ترامب
يشير هذا إلى سمة ثانية مميزة لاستراتيجية إيران فى حرب مستقبلية. تعتقد طهران أن ترامب وعائلته يمتلكون مصالح مالية فى العديد من هذه المشاريع التكنولوجية نفسها.
إن استهداف مصالح ترامب التجارية الشخصية أداة تجنبتها إيران بشكل واضح خلال الصراع الأول، لكنها تبدو الآن أكثر استعدادًا لاستخدامها.
المنطق واضح: قد يتسامح ترامب مع الإضرار بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية، لكنه شديد الحساسية للتهديدات التى تستهدف إمبراطوريته المالية. ويُفترض، وفقًا لهذا المنطق، أنه إذا زادت التكلفة الشخصية على ترامب نفسه، فقد يكون أكثر استعدادًا لتبنى موقف تفاوضى واقعى.
ثالثًا: ضبط النفس
من المرجح أن تُظهر طهران ضبطًا أقل بكثير للنفس إذا ظهرت أدلة على سماح دول أخرى فى مجلس التعاون الخليجى للولايات المتحدة أو إسرائيل باستخدام أراضيها أو مجالها الجوى فى نزاع متجدد. وستكون النتيجة تصعيدًا أفقيًا أوسع نطاقًا وأكثر خطورة، مع عواقب كارثية محتملة على الاقتصاد العالمى فى حال تعرض البنية التحتية الحيوية للطاقة للهجوم.
رابعًا: البحر الأحمر
أصبح البحر الأحمر الآن موضع تنافس.
وهذا من شأنه أن يوسع النطاق الجغرافى للصراع بشكل كبير، مع زيادة الضغط التصاعدى على أسعار النفط المتقلبة أصلًا.
خامسًا: ملالى طهران.. تطرف مستقبلى
تدرس طهران بشكل متزايد:
1: إمكانية قطع شبكات كابلات الألياف الضوئية البحرية الرئيسية الممتدة تحت الخليج العربى، والتى تُعدّ شرايين يمر عبرها معظم حركة الإنترنت فى دول مجلس التعاون الخليجى، بما فى ذلك مليارات الدولارات من المعاملات المالية.
2: ينظر المسئولون الإيرانيون بشكل متزايد إلى هذا الأمر باعتباره مضيق هرمز ثانيًا محتملًا: نقطة نفوذ جديدة قوية قادرة على إحداث اضطراب هائل فى الاقتصاد العالمى.
إن تجدد الحرب ليس أمرًا حتميًا. ولكن عندما يقتنع كلا الجانبين بأن جولة أخرى من القتال ستعزز موقفهما التفاوضى، يصبح الانجذاب نحو الصراع قويًا بشكل خطير، مهما كان المنطق غير عقلانى فى نهاية المطاف، وهى تلك النهايات التى تجعل الحرب، وفق العم سام، حالة ممكنة، ولا لأى منطق يخالف الأعداء قبل الأصدقاء.. ففى الحروب، عبر التاريخ تاه التاريخ فى فرز الأعداء، من الأصدقاء، فقد بقرت ظهور الخيل.