اتفاق كأس العالم بين الولايات المتحدة وإيران.. ولد ميتاً
بقلم: رومان حداد

النشرة الدولية –
تم توقيع الاتفاق الأميركي الإيراني قبل موعده، والتوقيع تم عن بعد ودون تلاقي الطرفين، ففي الوقت الذي وقعه الرئيس الأميركي في باريس كان الجانب الإيراني يوقع عليه في إيران، ورغم إعلان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في الاتفاق للوصول إلى اتفاق نهائي قد بدأت منذ لحظة التوقيع، إلا أن الجانبين الأميركي والإيراني لم يلتقيا في سويسرا يوم الجمعة كما كان مقررا، والتوقع أن يلتقيا بعد أسبوع.
تضمن الاتفاق 14 بنداً، كما تم نشره في الإعلام، ولكن من يقرأ بنود الاتفاق يكتشف سريعاً أن بها فجوات عميقة، وتنقصها التفاصيل، وهو ما يفتح المجال للاختلاف أكثر مما يتيح مجالاً للاتفاق، ليبدو أن هذا الاتفاق شكلي وغير قابل للتطبيق العملي.
يمكن أن أطلق على هذا الاتفاق اتفاق هدنة كأس العالم، فهو جاء لتهدئة مرحلية تتزامن مع كأس العالم، وهو الوقت الذي يرغب الرئيس ترامب أن يكون بلا إشكاليات داخلية ليتم التركيز على إنجازه باستضافة كأس العالم، فالاتفاق الحالي ساعد على هبوط أسعار النفط بصورة كبيرة وفوراً، وهو ما ينعكس على الداخل الأميركي بانخفاض الأسعار وتراجع نسبة التضخم.
وعلى الجانب الإيراني، وبسبب العبارات الفضفاضة لبنود الاتفاق، يمكن للمسؤولين الإيرانيين تسويق فكرة انتصارهم في الحرب وإجبار الخصم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وخلال الفترة القادمة إعادة ترتيب توازنات السلطة التي أصابها الخلل خلال الحرب، وما نتج عنها من اغتيالات، بمن فيهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، ومعرفة كيف سيتعامل المرشد الحالي مجتبى خامنئي مع تغير موازين القوى داخلياً، في حال كان حياً أو قادراً على ممارسة دوره وصلاحياته.
ما يلفت الأنظار هو ما نسب إلى المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي من تصريحات حول الاتفاق، حيث قال إنه كان يمتلك رأياً آخر بخصوص الاتفاق، ولكنه وافق بسبب تعهد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتحمل مسؤولية الاتفاق مع الولايات المتحدة، وأن مسعود بزشكيان ومجلس الأمن القومي تعهدا بصون حقوق الشعب الإيراني.
هذا التحول مهم لفهم أن توازنات جديدة في إيران قد بدأت تتشكل، حيث يلعب فيها الرئيس الإيراني دوراً جديداً وغير مسبوق لأي رئيس قبله في منظومة اتخاذ القرار في إيران، وهو ما يعني أن الاغتيالات الأميركية الإسرائيلية تركت أثرها في منظومة الحكم واتخاذ القرار الإيرانية، ولكن هذه التغييرات لم تستقر بل يتم اختبارها في هذه المرحلة.
وعلى الجانب الأميركي، فإن الانتخابات النصفية قد اقتربت، ولا يرغب الرئيس الأميركي أن تستمر تأثيرات الحرب على إيران على الداخل الأميركي كي لا تتأثر توجهات الناخبين الأميركيين بصورة تؤثر على أغلبية الجمهوريين في مجلسي النواب والشيوخ وانتخابات حكام الولايات، لذلك يبدو أن وجود اتفاق مرحلي مهم بالنسبة لترامب سياسياً.
ولكن على جانب آخر، فإن الحليف الإسرائيلي للولايات المتحدة، ممثلاً ببنيامين ونتياهو واليمين الديني المتطرف ممثلاً بتسائيل سموتريش وإيتمار بن غفير، يرى ضرورة معاودة الحرب قبيل الانتخابات الإسرائيلية في شهر أكتوبر، حتى يتصاعد التأييد الشعبي لدى أنصار هذا التيار، وضمانه العودة للحكم.
بنية الاتفاق وما يحيطه من ظروف وحسابات معقدة يؤشر أن هذا الاتفاق لن يصمد طويلاً، وقد يكون شهرا آب وأيلول القادمين اختباراً له، عبر إمكانية معاودة الحرب من جديد، وحينها لن تكون حرباً بنهايات مفتوحة كما حدث سابقاً، وسيكون تغيير النظام الإيراني هو النتيجة المطلوب تحقيقها أميركياً وإسرائيليا، أما الموعد الآخر للحرب فقد يكون بنهاية هذا العام أو في الشهر الأول من العام القادم، وحينها يمكن للحرب أن تأخذ مداها الزمني، ولكن يبقى تغيير النظام على رأس الاوليات الخاصة بالحرب.
هذا الاتفاق ولد ميتاً، ولا يبدو أن جميع المحاولات التي سيتم اختبارها قادرة على بث الحياة فيه، ولكنها ستعمل على بث تفاؤل مرحلي حتى تصل مرحلة الانفجار، ولذلك فإن المنطقة لم تهدأ بل هي على فوهة بركان لا نعرف تماماً متى سينفجر.