عصر الازدهار اللبناني وما وراءه
بقلم: حمزة عليان

النشرة الدولية –

مثلما هناك يهود يحملون الجنسية اللبنانية ومن أصول سورية، كالملياردير والمصرفي الحلبي إدمون صفرا، على سبيل المثال، يوجد سياسيون لبنانيون ورجال أعمال مشهورون من الطائفة المسيحية، لكن من أصول سورية، أمثال أنطوان إلياس فتال، الذي كان سفيراً للبنان لدى الفاتيكان، أو ميشال شلهوب صاحب المتاجر المشهورة في الخليج العربي.

كذلك الحال مع عوائل حملت الجنسية اللبنانية لها أصول وجذور فلسطينية، أمثال يوسف بيدس، أكبر إمبراطورية مصرفية بالشرق، ورفعت نمر وفؤاد سابا أشهر مدققي الحسابات، وريمون عودة صاحب ومؤسس بنك عودة، وألبير أبيلا وفكتور وإلياس سحاب.

من علامات الازدهار في لبنان أن عدداً من الفلسطينيين، وهم من رجال المال والأعمال الذين هاجروا إليه أثناء نكبة 1948 وما قبلها، حملوا معهم نحو 15 مليون جنيه إسترليني، وتبع ذلك إقفال مطار اللد وميناء حيفا، وهذا ما ساعد على أن يكون مرفأ بيروت هو البديل في المنطقة، وتحويل التجارة في الشرق الأوسط إلى بيروت وعبر طيرانها المزدهر ومطارها النشط.

ومن علامات الازدهار الذي عاشها لبنان أيضاً في عقود الأربعينيات والخمسينيات والستينيات هجرة رؤوس الأموال العربية إليه بعد التأميم في مصر عام 1952 وثورة عبدالناصر، والتأميم في سورية ومجيء حزب البعث للحكم، وفوق هذا وذاك تدفُّق المال النفطي الخليجي كملجأ آمن ومستقر.

وفي تلك الأجواء استقطب لبنان استثمارات ومشاريع غربية سعت إلى أن يكون لها «مرقد عنزة» في هذا البلد المنفتح، وهو المتعدد المذاهب والأديان.

قد تكون الإطلالة على الموضوع من زاوية أخرى مفيدة في هذا السياق من خلال كتاب شيرين صيقلي «رجال المال… الندرة والاقتصاد في فلسطين إبان الانتداب»، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

تروي الباحثة كيف انتقل فؤاد سابا، مؤسس شركة سابا للمحاسبة، إلى فرع الشركة في بغداد سنة 1948 يوم كان هذا الرجل ورجال الأعمال من أمثاله ينقلون رؤوس أموالهم ومصالحهم بسرعة إلى أجزاء من العالم العربي.

لقد أدرك سابا والطبقة التي يمثّلها أن الانتداب البريطاني والتزامه التأسيسي تجاه المشروع الصهيوني في فلسطين جعلهم رعايا سياسيين تابعين، وبالتالي انقسم الاقتصاد الفلسطيني إلى قسم يهودي وآخر عربي، مع تمتُّع الأول بالمؤسسات شبه الحكومية وحساباتها التي لا يمكن للفلسطينيين إلّا أن يحلموا بها.

وقد أدّى النهج الصهيوني للاقتصاد في فلسطين إلى وجود اقتصادين منفصلين، اقتصاد فلسطيني متخلف، واقتصاد رأسمالي يهودي، حيث تطوّر كل منهما بصورة مستقلة.

وتكشف صيقلي عن فلسطين التي أعيد تشكيلها إلى عالم يهودي وعالم عربي، وتعرُّض طبقة الرأسماليين الفلسطينيين، وهي الطبقة التي غالباً ما يتم تجاهلها في تاريخ كل من فلسطين وإسرائيل، للتجاهل، وهو في النهاية يمثّل نهجا جديدا في الاقتصاد السياسي وكيفية تشكيل الطبقات الاجتماعية.

في مساحة جغرافية واسعة (بلاد الشام) اختلطت فيها الأديان بالجنسيات بصورة عابرة للحدود، لذلك ظهرت الحالة الوطنية بعد استقلال هذه الدول وخروج المستعمر الأوروبي منها مترافقة مع دخول مستعمر جديد، هو الإسرائيلي، الحامل للدين اليهودي، وعليك قراءة التاريخ من تلك الزوايا.

زر الذهاب إلى الأعلى