علاقتنا مع تل أبيب بعد 7 أكتوبر … من السلام البارد إلى القطيعة الصامتة
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –

الرأي –

لم تكن العلاقة بيننا وبين إسرائيل يومًا علاقة طبيعية، حتى في أفضل ظروفها. ففي منتصف التسعينيات من القرن الماضي، كادت تتفجر المعاهدة بسبب قرار نتنياهو، وقتذاك، اغتيال خالد مشعل في عمان. فمنذ توقيع معاهدة وادي عربة عام 1994، بقي السلام محكومًا بالحد الأدنى من المصالح الأمنية والسياسية.

 

لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر لم يكن مجرد محطة عابرة في هذا المسار، بل لحظة كاشفة أعادت تعريف العلاقة برمتها. فالحرب على غزة لم تضع المنطقة أمام اختبار سياسي وأخلاقي فحسب، بل وضعت الأردن أمام تحدً استراتيجي يمس جوهر أمنه الوطني. فبالنسبة لنا هنا في الأردن، لم تعد المسألة مرتبطة فقط بوقف حرب مدمرة، بل بمنع تحولها إلى مدخل لإعادة تشكيل القضية الفلسطينية على حساب الجغرافيا والديموغرافيا الأردنية. ومن هنا يمكن فهم حدة الموقف الأردني حيال التطورات التي أعقبت السابع من أكتوبر، وتحديدًا حيال سياسات حكومة اليمين المتطرفة برئاسة نتنياهو، والتي تحمل مشروعًا أيديولوجيًا يتجاوز غزة إلى الضفة والقدس، وربما إلى إعادة إحياء أفكار قديمة جديدة تتعلق بالتهجير والوطن البديل. وهذه الأفكار، بالنسبة للأردن، ليست مجرد سيناريوهات سياسية، بل تهديدات وجودية. لذلك، كان الصوت الأردني منذ الأيام الأولى للحرب الأعلى عربيًا في التحذير من كارثة التهجير، والأوضح في رفض تصفية القضية الفلسطينية.

 

المشكلة بالنسبة لنا في الأردن لم تعد فقط في سلوك إسرائيل العسكري، بل في طبيعة النخبة الحاكمة فيها والعقلية التي تحركها. وصعود شخصيات مثل بن غافير وسموتريتش وغيرهما، حيث كشفت تطورات الوضع الداخلي الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى اليوم أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية باتت أكثر تطرفًا، وأقل اكتراثًا بحسابات الاستقرار الإقليمي، وتحديدًا حسابات الدولة الأردنية الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشرقية، والتي لم تعد مجرد عنوان ديني أو رمزي، بل تحولت إلى خط تماس سياسي مباشر مع المشروع الإسرائيلي الجديد. وكل اقتحام للمسجد الأقصى، وكل محاولة لتغيير الوضع التاريخي والقانوني في القدس، يُقرأ لدينا في عمان باعتباره استهدافًا مباشرًا لدور الأردن ومكانته. ورغم ذلك، لم يذهب الأردن إلى كسر المعاهدة أو إعلان قطيعة كاملة، ليس لأن العلاقة بخير، بل لأن الدولة الأردنية تفكر بعقل الدولة الهادئ، لا بعاطفة اللحظة وانفعالها. فالجغرافيا لا تسمح بالمغامرات، والحدود الطويلة، والملفات الأمنية والمائية والاقتصادية تفرض بقاء حد أدنى من الاتصال.

 

ما نشهده اليوم هو انتقال فعلي من “السلام البارد” إلى “القطيعة الصامتة”… سفارات ليست أكثر من مبانٍ شبه مغلقة، وثقة غائبة، مع وجود معاهدة سلام شبه ميتة، وشراكة تحكمها الضرورة، وتنسيق محدود للغاية، وبلا أفق سياسي.

 

والسؤال هنا ليس إن كانت العلاقة تمر بأزمة، بل إن كانت قادرة أصلًا على العودة إلى ما كانت عليه.

 

وفي الإجابة على هذا السؤال، أرى أن الأمر مرتبط بمستقبل إسرائيل نفسها. فإذا بقي اليمين المتطرف ممسكًا بالحكم، وهو الأرجح بحكم الوقائع، فإن العلاقة مع الأردن ستزداد توترًا، لأن جوهر الخلاف لم يعد تكتيكيًا، بل أصبح صراعًا على مستقبل المنطقة نفسها.

 

أما استراتيجية الدولة الأردنية تجاه هذا الوضع الشائك والمعقد، فقد حُسمت وفق الثوابت التالية: حماية الدولة وأمنها ومصالحها العليا، وحماية الوصاية الهاشمية، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ودعمه بكل السبل والإمكانات المتاحة.

زر الذهاب إلى الأعلى