عزاء خامنئي… أكثر من جنازة وأقل من نهاية
بقلم: د. سالم الكتبي

النشرة الدولية –
ليست كل الجنائز خاتمة لرجل، فبعضها يكون إعلاناً عن نهاية مرحلة كاملة، وعزاء خامنئي لم يكن خروجاً هادئاً من التاريخ، بل محاولة سياسية لتغليف خروج عنيف ومدوٍّ لرأس نظام اعتقد طويلاً أنه خارج مدى النار، فالمرشد الذي قاد الجمهورية لأكثر من سبعة وثلاثين عاماً لم يمت في سريره، بل سُحب جثمانه من تحت ركام مجمعه في طهران بعد ضربة أمريكية إسرائيلية مشتركة استهدفت اجتماعاً ضمّه مع كبار قادة الصفين الأول والثاني، وأمطرت المقر بقنابل خارقة للتحصينات خلال دقائق معدودة، ولم تكن تلك النهاية مجرد مشهد دموي، بل سقوطاً عملياً لفكرة الحصانة القيادية التي بنى عليها النظام جزءاً مهماً من ردعه في الداخل والخارج.
ومن هنا يصبح العزاء جزءاً من معركة سياسية، لا طقساً دينياً منفصلاً عن سياقه، فالجنازة المؤجلة، والحشود المنسقة، وخطاب الشهادة الذي يحاول تحويل صورة مقتله تحت الأنقاض إلى أيقونة تضحية مقدسة، كلها أدوات لإعادة ترميم صورة النظام بعد أن تلقت إحدى أهم أساطيره ضربة قاسية، وهي الاعتقاد بأن المرشد فوق الاستهداف وأن الحروب ستبقى دائماً عند حدود الوكلاء والجبهات البعيدة، وفي هذا المشهد لا تبدو الدموع وحدها هي الرسالة، وإنما أيضاً المقاعد وترتيب الحضور ورمزية الوفود القادمة من العالم العربي.
وفي تقديري، لم يكن ما أثار الجدل في مراسم العزاء مجرد حضور بعض الوفود العربية، بل الطريقة التي أدار بها النظام الإيراني المشهد نفسه، فقد استُخدمت آيات من القرآن الكريم بصورة بدت أقرب إلى الرسائل السياسية منها إلى التلاوة التعبدية، إذ خُصصت لكل وفد آية تحمل دلالة رمزية تعكس رؤية القيادة الإيرانية لعلاقته به، فتراوحت الرسائل بين الإشادة بمتانة التحالف، والتذكير بالمواقف، وأحياناً حملت إيحاءات حادة تجاه بعض الوفود، وهكذا لم يعد العزاء مناسبة دينية فحسب، بل تحول إلى منصة حاولت طهران من خلالها توظيف الرمزية الدينية لإعادة صياغة روايتها عن الحرب ونتائجها.
ولم تقتصر الرسائل السياسية على طهران وحدها، بل امتدت إلى الطرف الآخر أيضاً. فقد علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على مشاهد البكاء في مراسم الجنازة قائلاً إنه فوجئ برؤية بعض الإيرانيين يبكون خامنئي، لأنه كان يعتقد أن كثيرين يكرهونه، مضيفاً أن تلك الدموع “ربما تكون مزيفة”.
ومن هذا المشهد تبرز مفارقة المشاركة العربية في عزاء قيادة دولة خاضت حرباً صريحة ضد دول خليجية عربية وسعت إلى ابتزازها والضغط على المجتمع الدولي. فالمشهد يثير تساؤلات سياسية وأخلاقية يصعب تجاوزها، وهنا المفارقة، في الوقوف أمام نعش نظام قصف مدن الخليج وهدد ممرات الطاقة تحت شعارات التضامن والأخوة لا ينسجم مع حجم الخطر الذي كشفت عنه الحرب، ومع ذلك فقد دفعت نتائج تلك الحرب كل عاصمة إلى إعادة تقييم مصالحها وحساباتها الأمنية بصورة مختلفة، ولذلك لم يعد التعامل العربي مع إيران يُقرأ بمنطق الصديق أو الخصم فقط، بل أصبح أكثر تعقيداً وتنوعاً.
الوقوف أمام نعش نظام قصف مدن الخليج وهدد ممرات الطاقة تحت شعارات التضامن والأخوة لا ينسجم مع حجم الخطر الذي كشفت عنه الحرب
ولعل هذا التباين في المقاربات يعكس وجود مدرستين واضحتين في الإقليم، الأولى تفضّل الهدوء وشراء الوقت، وترى أن تقليل التوتر هو الطريق الأقل كلفة لحماية الاقتصادات والمجتمعات، أما الثانية فتنطلق من أن خبرة العقود الماضية تشير إلى أن سلوك طهران لا يتغير جذرياً إلا عندما تصبح كلفة التصعيد على النظام نفسه أعلى من مكاسبه.
وليس هذا الاختلاف نابعاً من تباين سياسي مجرد، بل من تغير البيئة الاستراتيجية نفسها، فما كان يصعب تحقيقه خلال الحرب العراقية الإيرانية بسبب القيود التقنية والاستخباراتية، أصبح اليوم أقرب إلى الإمكان بفعل التطور العسكري ودقة وسائل الاستهداف واتساع الشراكات الأمنية، ولذلك غدا الضغط على العمق والبنى الحيوية الإيرانية خياراً أكثر واقعية في حسابات الردع مما كان عليه في العقود الماضية.
ولم تقتصر هذه التحولات على معادلات الردع وحدها، بل امتدت إلى بنية أمن دول الخليج نفسها، فالمنطقة الخليجية تغادر زمن المحاور الصلبة والشعارات الأيديولوجية الثقيلة التي أثبتت محدوديتها في إنتاج أمن مستقر، وتتجه إلى شراكات أكثر مرونة تُبنى على المصالح والملفات المشتركة، وفي مقدمتها الطاقة والملاحة والدفاع الجوي والاستخبارات.
ولم يعد منطق المعسكرات كافياً لتفسير تموضع العواصم الخليجية أو تعقيد علاقاتها مع القوى الكبرى ومع طهران، بل أصبحت إدارة عدم اليقين، وتعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي بعيداً عن هيمنة حسابات الآخرين، جزءاً أصيلاً من التفكير الأمني لدول الخليج.
وبعد هذه التحولات جميعها لم يعد عزاء خامنئي مجرد مراسم لوداع رجل، بل أصبح سؤالاً عن عصر كامل. فهو في جوهره وداع لفكرة الحصانة المطلقة التي أدارت بها طهران علاقاتها مع جيرانها والعالم، وبداية مرحلة تقوم على الشك المحسوب، فلا ثقة مطلقة ولا قطيعة مطلقة، وإنما شراكات قابلة للتعديل وسياسات تُقاس بميزان الكلفة والمخاطرة لا ببلاغة الخطب أو رمزية الجنازات.
ولهذا فإن الردع الخليجي الجديد لن يُقاس فقط بعدد الصواريخ التي تعترضها الدفاعات الجوية، بل بقدرة المنظومة الخليجية على إقناع صانع القرار في طهران بأن أي اعتداء واسع على مدن الخليج أو منشآته الحيوية قد يفتح الباب أمام مخاطر تمس البنية الاقتصادية الإيرانية نفسها. فالغاية ليست استخدام القوة، وإنما جعل كلفة استخدامها حاضرة في حسابات الخصم حتى يؤدي الردع وظيفته، وبما يرسخ معادلة ردع تجعل أي مغامرة مكلفة للغاية.
وبعد أن تحولت مراسم العزاء نفسها إلى منصة لإرسال الرسائل السياسية، لم يعد السؤال في الخليج كيف تُقرأ إيران، بل كيف تُبنى معادلة أمنية تجعل أي تهديد مستقبلي مكلفاً منذ لحظته الأولى، مع الحفاظ على استقلالية القرار الاستراتيجي بحيث ينطلق من المصالح الوطنية، لا من حسابات الآخرين أو أولوياتهم.
وهكذا لم يعد عزاء خامنئي مجرد وداع لرأس النظام الإيراني، بل لحظة كشفت أن مرحلة كاملة من معادلات الأمن والردع قد انتهت، وأن الخليج يدخل مرحلة جديدة تُقاس فيها القوة بقدرته على الجمع بين الردع الفاعل، والشراكات المرنة، واستقلال القرار الاستراتيجي.
