بين شارع الصحافة وشارع النسيان
بقلم: حمزة عليان

النشرة الدولية –
لم يأت النسيان بعد، ولم يكسر الأبواب ولا الحواجز المغلقة، ما زالت الذاكرة تحتفظ بالوجوه وبالأسماء التي عاصرتها.
عبارتها رنَّت في أذني عندما تواصلت مع زميلة رافقتنا في مشوار الصحافة بالكويت، هي فادية الزعبي. لقد قالت: «بلغت الواحدة والثمانين من العُمر، وقد يكون هذا آخر لقاء يجمع بيننا».
لبَّيت النداء، وجلسنا نُبحر في روافد الذكريات التي تساقطت علينا، واحدةً تلو الأخرى.
في هذا العُمر صار النسيان يُطاردها، كما طارد الزميل مبارك الشعلان في حكاياته مع الأستاذ جهاد الخازن رئيس تحرير جريدة «الحياة» والقابع في بيروت يُقاوم الزمن الذي داهمه، من دون أن يتمكَّن من البوح بحكايةٍ واحدة.
سرحتْ في صورة العائلة التي تتصدَّر منزلها، صورة تبعث في نفسها الحنين والأمل، لحظة وصول والدها صاحب البدلة الأنيقة واللغة الفرنسية الرنانة، والتي أثار بها إعجاب الشيخ فهد السالم الصباح عندما رآه في بلدته السورية (تلكلخ) أثناء عبوره فيها متوجهاً إلى اللاذقية، ليأتي به إلى الكويت عام 1953 كمهندس في دائرة الأشغال، وتلحق به أكبر بناته فادياً عام 1954 وتُكمل هنا دراستها وتتخرَّج في دار المعلمات، ثم تقوم بتدريس اللغة العربية بعد التحاقها بالجامعة وانتقالها إلى عالم الصحافة والكتابة.
تنقلت بين «الرأي العام» و«الوطن» و«القبس» و«الشرق الأوسط» و«الرؤية»، لتستقر وحيدةً في شقتها بالسالمية، وكأنها تُحاكي الزمن الأول عندما سكنت في المرقاب مع أُسرتها في الخمسينيات.
تحاول أن تنسج أمامي صورة لم أكن قريباً منها، بالقول: «لما يصير عُمرك 81 سنة و7 أشهر راح تنسى اسمك»، لكن فادية أبدت صورةً أخرى أكثر طمأنينة، وكأن مفتاح الذاكرة لا يزال في يدها تطل منه على نوافذ حياتها في شارع الصحافة الذي لم يتركها تستريح من حبره يوماً.
أن تستمر في السؤال عمَّن أزاح نفسه من الصورة، وذهب بعيداً عن متاعب المهنة، يأخذك الحنين إلى مَنْ تشاركت معه في رحلة الحياة. هكذا تقترب من لحظات العودة لتجارب العمل وما تركته من أثرٍ في نفسك.
أدرت وجهي نحو زميلين عشت معهما سنوات ممتدة من العُمر، هما مديرا تحرير «القبس» سابقاً: الدكتور أحمد طقشة، والزميل رفلة خرياطي المستقر في لندن وغيرهما من الذين تركوا بصمة وأثراً في تاريخ الصحافة الكويتية، كما الحال مع مَنْ سبقوهم من زملاء وأصدقاء توزعوا في أرجاء المعمورة، منهم مَنْ رحل، ومنهم مَنْ أثقلت المسافات في التباعد بيننا، لكن التلميذ لن ينسى أساتذته الذين تعلَّم منهم.