الأوركسترا الفلهارمونية في افتتاح “موسيقيّات بعبدات” العاشر… التعاون الثقافي كعنوان للنهوض ونموذج ملهم

ماجدة داغر

​في مشهدٍ ثقافي يختصر الفن وسموّ الرسالة، ويحاكي قدرة الإبداع على التغيير، شهدت بلدة بعبدات حدثاً استثنائياً تلاقت فيه أطياف الجمال الأصيل. احتفالاً بمرور عشر سنوات على انطلاقة مهرجان “موسيقيات بعبدات” ” (Les Musicales de Baabdath)، أُقيم حفل الافتتاح لعام 2026 محمولاً برؤية تنظيمية وفنية رفيعة المستوى، بدعوة من المهرجان ومن رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، بتوقيع مشترك ودعم للأمسية والمهرجان من الكونسرفتوار الوطني في انعكاس لعمق الشراكة الثقافية. وتضمنت المناسبة الاحتفاء بعقدٍ من العطاء المهرجاني المرموق (2016–2026)، واستكمالاً للاحتفاء ب “عام وليد غلمية 2026″، الذي انطلق سابقاً باحتفالية وطنية ممتدة على مدار الموسم تكريماً للإرث الموسيقي الكبير والمستقبلي للراحل الكبير د. وليد غلمية.

افتتح الأمسية كاهن رعية بعبدات المارونية الأب طانيوس خليل، بكلمات اختصر فيها معنى اللقاء واستحضر روح البركة التي تظلل هذا اللقاء الثقافي، ومما قاله:​ “أرحب بكم جميعاً باسم الرعية ولجنة الوقف وباسمي الشخصي، وأرى أن أجمل كلمة ترحيب وأبلغها هي تلك الأنغام التي سنصغي إليها معاً الليلة. أتوجّه بالتهنئة إلى فريق “موسيقيات بعبدات”، وعلى رأسه الأستاذ سليمان قرباني، بمناسبة مرور عشر سنوات على انطلاقة هذا المهرجان. إن ما تقومون به هو فعل إيمان وحضور استثنائي ومميز جداً، خصوصاً في بلد يمر بكل هذه الظروف والصعوبات، ليبقى الفن علامة أمل لا تنطفئ.”

​وفي كلمته أضاء مؤسس مهرجان “موسيقيات بعبدات” ومديره الفني الأستاذ سليمان قرباني، على سر الاستمرار والتجدد في رحلة المهرجان قائلاً:

“في المحطة العاشرة لأمسيات بعبدات التي تقام برعاية وزارة السياحة، أقف بينكم محاطاً بجميع الرعاة والشركاء والداعمين للمهرجان والمؤمنين بهذا المشروع الثقافي، الذين كانوا ولا يزالون سنداً لنا، فالعمل الجماعي كان دائماً هو السر الحقيقي لخلق هذا النجاح.

إن عشر سنوات في عمر المهرجانات قد لا تبدو فترة طويلة في الحسابات العادية، لكنها في لبنان قصة مختلفة تماماً. إنها عشر سنوات من التحولات والتغيرات، بين المد والجزر، بين الخوف والأمل، ومحاولة النجاة والعمل وسط أعقد الظروف. واليوم، فإن مجرد وجودنا هنا واستمرارنا هو بحد ذاته الاحتفال الأكبر، فنحن ما زلنا نحتفل ونبني لأننا نؤمن بأن الموسيقى والثقافة لا يزال لهما مكان أصيل في هذا الوطن.

​وأضاف قرباني: “ما يجعل احتفالنا هذا العام ذا طابع خاص ومميز، هو مسار علاقتنا مع شركائنا. والعنوان الأبرز الليلة هو تعاوننا الممتد مع المعهد الوطني العالي للموسيقى وهو أكبر الداعمين لهذه الأمسية وللمهرجان، فكل الشكر والامتنان لرئيسة المعهد الدكتورة هبة القواس على ثقتها الكبيرة ودعمها وتعاونها المستمر. وكذلك للسيد مارك معركش، رئيس قسم الفنون في المجلس البريطاني(British Council)، المجلس الذي كان له أيضاً دعم للمهرجان.

وختم: “كما أود الإشارة إلى أن “موسيقيات بعبدات” قد حظي كذلك بدعم جزئي من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع وزارة الثقافة ضمن مشروع “الثقافة للجميع”.

وبرؤيتها الاستراتيجية المعهودة للنهوض الثقافي، ألقت رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس كلمةً رسمت فيها أبعاد الشراكة الوطنية وأهمية اللامركزية الموسيقية، وجاء فيها: “إن العنوان الأول والأبرز لهذه الأمسية هو “التعاون”. فمهرجان “موسيقيات بعبدات” ليس مجرد احتفالية سنوية تعتني بالموسيقى الكلاسيكية والجادة في لبنان، لكنه حالة ثنائية من الحقيقة والأصالة، وهذه الأصالة مستمدةٌ من شخص مؤسسه سليمان قرباني. لقد جمعتنا محطات كثيرة، لكنني أؤكد أن من أهم عناوين الكونسرفتوار اليوم هو الشراكة، وأن تحتضن هذه المؤسسة الوطنية الكبرى كل فكرة ونشاط يخدم الموسيقى الحقيقية على امتداد مساحة لبنان.

​اليوم نلتقي في بعبدات، وقبلها كنا في شرق زحلة، وتربل، وجبيل، والبترون، وبعقلين، وبتخنيه، وصيدا، وطرابلس… فالأهم بالنسبة إلينا هو أن تصل الموسيقى إلى كل أرجاء الوطن، وألا تظل محصورة في مركزية العاصمة.”

​وأضافت القواس: “شراكتنا هذا العام مع “موسيقيات بعبدات” لها نكهة خاصة، نكهة الموسيقى الكلاسيكية السامية، ونكهة الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، ونكهة احتفالية “عام 2026.. عام وليد غلمية”، التي تتزامن مع الذكرى العاشرة لتأسيس المهرجان. تتلاقى الأزمنة الليلة: 15 عاماً على رحيل المايسترو وليد غلمية، و10 سنوات على تأسيس مهرجان ضرب جذوره عميقاً في هذه الأرض لأنه صادق وحقيقي، و101 سنة على تأسيس الكونسرفتوار الوطني اللبناني.

​نحن أمام برنامج استثنائي الليلة يقوده المايسترو كريم سعيد، الذي أتى إلى لبنان خصيصاً من لندن بناءً على دعوتنا منذ سنوات مضت، وهو الذي قدم ويقدم الكثير للبنان وللكونسرفتوار ولطلاب البيانو والأساتذة. كما أنه يتولى قيادة الأوركسترا الوطنية للشباب (NYO) التي أسسناها معاً منذ سنتين، والتي أصبحت تجوب العالم وتضع اسم لبنان في محافل دولية من موسكو وإيطاليا وقريباً إلى لندن.

​يقود المايسترو كريم سعيد الأوركسترا الفلهارمونية الليلة ويشاركه عازف البيانو البارع إياد الصغيّر، وهو صديق مقرب له ولنا ومن أبرز عازفي جيله. وعندما يجتمع عازف بيانو في موقع القيادة وعازف بيانو آخر على آلته، فنحن على موعد مع صوت مختلف، وتزاوُج والتحام هارموني نادِر. سينسج لنا هذا الثنائي ومعه الأوركسترا برنامجاً خاصاً يجمع بين سيمفونية “اليرموك” لوليد غلمية، والسيمفونية الخامسة لسيبيليوس، وروائع إدوارد غريغ.”

في كنيسة بعبدات الجديدة (Baabdath New Church) حضر جمهور غفير من ذوّاقة الموسيقى الراقية والأوساط الثقافية، ليصغوا إلى الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية بكامل ألقها وهيبتها، والتي قدمت أداءً هارمونياً اتسم بالدقة العالية والتناغم المطلق. قاد الأوركسترا المايسترو اللامع كريم سعيد، الذي أظهر قراءة قائدٍ متعمق في بنيوية النوتة ومدلولاتها التعبيرية.

​بإشارات عصاه المتزنة وبحركاته المفعمة بالحيوية والسيطرة التقنية، استطاع سعيد أن يستخرج من الآلات الأوركسترالية أقصى طاقاتها الديناميكية، مفككاً التباينات البوليفونية بين الوتريات والآلات النفخية والإيقاعية، ومشكّلاً جسراً متيناً من التوافق الفني الذي نقل الحضور إلى عوالم من السحر والتأمل. هكذا أفلح سعيد في تطريز نسيج صوتي مهيب للأوركسترا يتماهى مع روح أعمال “سيبيليوس” مرتقياً بمستوى الأداء إلى مصاف الحفلات الكبرى، ومستخرجاً جوهر الصوت الخالص للسمفونية الخامسة لسيبيليوس باقتدار ندَر أن يبلغه سواه.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى