جريمة الكرك وقراءاتها
بقلم: مشاري الذايدي

حول بعض القراءات العربية لجريمة كنيسة قرية حمود بالكرك، التي اقترفها بعض الغُلاة من تكفيريي «داعش» أو شبيه «داعش» «جماعة حُرّاس الدين»، قّدم الكاتبُ المعروف حازم صاغية مقاربته النقدية، في مقاله الأخير بهذه الجريدة.

يقول حازم إنه قد «ظهرت استنكارات (…) يجوز وصفها بالمشروطيّة القوميّة والنضاليّة».

وبحسب نقده لهذه القراءات فإن «الجريمة تغدو، في الحدّ الأدنى، عملاً مفهوماً وقابلاً للاستيعاب حين لا يكون (الشعب والأمّة) منخرطين في صراع مصيريّ».

وفي بعض المقالات، شرحاً لتركيبة مسيحيي الكرك العروبية والنضالية، جرى الاستشهاد باسمَي: تيريز هلسا، وغالب هلسا، يقول حازم: «على العائلة والمنطقة المسيحيّتين اللتين لا تملكان تيريز هلسا أن تتدبّرا أمرهما بالحصول على تيريز هلسا ما».

وفي الأخير – حسب حازم صاغية – فإنه يجب «الإقلاع عن تلك العبارة السقيمة التي غالباً ما تتكرّر في الاستنكارات الرائجة: إنّ هذا العمل لا يمتّ بصلة إلى تاريخنا (أو أخلاقنا أو قيمنا)».

أتفقُ مع «جوهر» نقد حازم صاغية، فإن حرمة الحياة واستحقاق الإنسان لها، ليسا مشروطين بعملٍ سياسي أو ماضٍ تاريخي، هما حق بديهي لا نقاش فيه، وعلى الدولة، أي دولة، تحمّل مسؤوليتها في توفير الأمن وصون الحياة، لكل مواطن أو مواطنة، أو مُقيم أو مقيمة، أو عابر أو عابرة، على أرضها أو في بحرها أو في سمائها.

هذه مُقدّمة لازمة وبدهية واجبة، وإلا فما معنى أن الدولة هي القوة الشرعية الوحيدة التي تحتكر العنف وحمل السلاح وتطبيق القانون بالقوة؟!

هذه لازمة لتلك، والناس، أكان ذلك بصراحة القوانين الديمقراطية، أو بالتفويض الضمني المجتمعي، هم – أعني الناس – مَن منح الدولة هذا الحق بهذا الاحتكار، لأجل هذا الواجب الكبير.

لكن ومع اتفاقي مع جوهر كلام حازم صاغية، فإن غرَض كثير من الكتابات التي تُذكّر بمثل هذه الأوليات الوطنية لبعض رموز الأقليّات الدينية أو الإثنية، هو مساجلة الخطاب النافي عن هذه الأقليّات حقيقة كونها من صميم الهوية المحلية، حقيقة كونها قطعة أصيلة من الـ«نحنُ» الجامعة… فكيف – يا من تدعّون حماية النحنُ هذه – أن تعتدوا على قطعة من الهوية الجماعية؟!

لكن الأولى بالنقد، في نظري، هو مشروطية بعض القراءات بعدم الاعتداء على المسيحيين لأنهم من أهل الذمة المستأمنين، هنا نصبح أمام خطاب أخطر، آثاره أعمق في تسويغ الجريمة، إذْ لمن يريد – وهم كثر – أن ينقض كونهم استوفوا شروط الذمية والأمان، بنفس لغة المثبت لهم صدق ذمّيتهم.

هنا تتلاشى لغة المواطنة، وتتبخر صورة الدولة الحديثة…

زر الذهاب إلى الأعلى