من صيد الخاطر: «شَتَّى تؤوبُ الحلَبَةُ»
بقلم: طلال عبدالكريم العرب

“شَتَّى تؤُوبُ الحلَبَةُ”، كانت العرب تُورِد إبلها إلى الماء وهي مجتمعة، فإذا ارتوت جِمالها صدرت، أي ابتعدت عن الماء وتفرّقت، واشتغل كل واحد منهم بحلب ناقته منفرداً، فهو مَثَل عربي قديم يُضرب في تفرُّق الناس واختلاف أحوالهم أو أخلاقهم بعد اجتماع، كلٌّ منهم منشغل بمصالحه الخاصة، إنه نموذجٌ فريدٌ من أمثال العرب التي تصف فيها تفرق الجماعة واختلاف مساراتها بعد اجتماعها.
وهناك أمثلة شبيهة بمثلنا، منها: “كمرعى الخِزْرَى”، وهو أيضاً يُضرب في تفرق الأمور وتشتتها وعدم استقامتها على شيء واحد، أو في قوم تفرقت آراؤهم وتوجهاتهم، و”الخِزْرَى” هنا هي الإبل التي ترعى متباعدة لا يجمعها راعٍ.
ومنها المثل الشهير: “تفرّقوا أيدي سبأ”، و”كأنهم قطيع شاءٍ تفرّقت بها السبل”، وهو يضرب في انفراط العقد وضياع الائتلاف بين الجماعة، فيأخذ كل فرد طريقاً خاصاً به مختلفاً فيه عن الآخر.
“شَتَّى تؤُوبُ الحلَبَةُ”، مثل ينطبق تماماً على المشهد العربي في التعامل مع التهديدات الإقليمية والتنمر الخارجي، فالعرب حين يجتمعون على كلمة أو موقف أو حد أدنى من التنسيق، وهو أمر نادر جداً، تظهر قوتهم ويتحقق مقصدهم، فإذا انفضّ جمعهم رجع كل طرفٍ إلى حساباته الأنانية الخاصة به، فمنهم من يرى في التهديد خطراً داهماً يستوجب المواجهة الشاملة، ومنهم، وهم الأسوأ على الإطلاق، من يرونه فرصة لكسب منافع سياسية، أو للاشتراط المذل لمنافع مادية، أو فتح قنوات حوار ثنائية خيانية على حساب الآخرين.
ثبات العرب ضد التهديد الوجودي واجب على الجميع، لا مجال فيه للمساومة أو عقد الصفقات. عليهم أن يأخذوا العبرة من “معركة ذي قار”، أشهر معارك العرب في الجاهلية، وهي المعركة التي انتصرت فيها قبيلة بكر بن وائل العربية على جيوش الإمبراطورية الفارسية، انتصرت رغم تفرق بعض القبائل عنها، فقد ثبتت وانتصرت بفضل بسالتها وصمودها، حتى إنه نسب إلى النبي، ﷺ، قولٌ عنها: “هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم”.
الله سبحانه وتعالى حذّر من التفرق والاختلاف في قوله: “وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”، وفي قوله: “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ”.
وقال نبينا، ﷺ: “يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ”، وقال: “المؤمن يألف ويؤلف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف”، حاثّاً على التآلف، ومحذّراً من الانقسام الذي يتبع الأهواء المتفرقة، مشيراً إلى أن اختلاف القلوب والأهواء يمزق وحدتها كإبل “شتى”.
أما الشاعر فقال في ذلك:
دَعَوْنا الجَمْعَ يَلْتَئِمُ التِئاماً لِيُرْوَى شَرْبُنا حِينَ احتَدَامَا
فَلَمَّا حانَ مَصْدَرُنا تفرَّقْنا شتاتاً لا نُطيلُ لَهُ مقاما
تؤوبُ الحلبةُ العطشى سِراعاً فترجعُ وهي شتى لن تُلَاما
فكلٌّ سارَ في حُرٍّ هَواهُ وصارَ الرَّكبُ أشتاتاً حيامَا
وأما نحن فنقول محذرين من أن ينطبق علينا القول:” أُكِلتُ يومَ أُكِلَ الثَّورُ الأبيَضُ”.