الأردن في عقل ترامب… الحليف الذي لا بد منه!
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، عاد الشرق الأوسط كله إلى حالة الترقب والقلق، فالرجل لا يتعامل مع المنطقة بعقلية الإدارات الأميركية التقليدية، بل بعقلية رجل الصفقات الذي يريد إعادة تشكيل الوقائع بسرعة، حتى لو أدى ذلك إلى كسر التوازنات القديمة أو الاصطدام بحلفائه قبل خصومه. وفي قلب هذه الرؤية يقف الأردن متفردًا بخصوصيته، يقاوم الحسابات الترامبية المغامرة، وخاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

ترامب ينظر إلى الأردن باعتباره أحد أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وذلك لأن الأردن يمثل في الحسابات الأميركية نقطة ارتكاز أمنية وسياسية لا يمكن تعويضها. فالمملكة، وبحكم موقعها الجيوسياسي، تشكل عامل استقرار نادرًا في إقليم يعيش فوق بركان مفتوح.

لكن الأردن بالنسبة لترامب يشكل حالة “إشكالية” عنوانها “السهل الممتنع”. الأردن وبهذه الخصوصية دولة حليفة لكنها غير “مطواعة”، ومع رئيس مثل ترامب فإن حالة كهذه لم يعتاد عليها وتحتاج إلى نمط مختلف من التعامل. فترامب عاد إلى السلطة وهو يحمل قناعة بأن الشرق الأوسط يجب أن يُعاد تشكيله بالكامل بعد حرب غزة، وأن لحظة ما بعد الحرب يجب أن تُنتج واقعًا سياسيًا جديدًا، حتى لو جاء ذلك على حساب كثير من الثوابت التقليدية في المنطقة.

ومن هنا بدأت المخاوف الأردنية، وتحديدًا عن “اليوم التالي” في غزة، وعن إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، وعن الحلول الإقليمية الواسعة، والتي أعادت إلى الواجهة السؤال الأخطر بالنسبة للأردن: هل هناك محاولة فعلية لتصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن؟

الأردن يدرك أن أخطر ما في رؤية ترامب ليس فقط دعمه المطلق لإسرائيل، فهذا أمر لم يعد مفاجئًا، بل في محاولته تحويل القضية الفلسطينية من قضية شعب وأرض وحقوق وطنية إلى مجرد ملف إنساني واقتصادي يمكن احتواؤه عبر المال والمشاريع الإقليمية والتحالفات الأمنية. وهنا تحديدًا يكمن جوهر الخلاف بين عمان وواشنطن.

فالقيادة الأردنية تعرف أن أي محاولة لدفع الفلسطينيين نحو الهجرة أو إعادة التوطين، تحت أي عنوان أو ظرف، لن تعني فقط إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية، بل ستفتح الباب أمام أخطر تحول ديموغرافي وسياسي في تاريخ المنطقة. ولهذا كان الموقف الأردني حازمًا منذ بداية الحرب على غزة: لا للتهجير، لا للوطن البديل، ولا لأي تسوية تأتي على حساب الأردن أو الهوية الوطنية الفلسطينية.

والسؤال المهم هنا: على ماذا يراهن الأردن وأي قوة تدعمه؟

تدرك واشنطن جيدًا أن الأردن ليس دولة يمكن تجاوزها أو الضغط عليها، كما تدرك أن استقرار الأردن جزء من استقرار مجمل دول الإقليم، وأن أي اهتزاز داخلي في المملكة سيكون له تداعيات كارثية على المنطقة بأكملها.

وفي الحقيقة، فإن الأردن لا يخوض معركته فقط دفاعًا عن مصالحه الوطنية، بل دفاعًا عن فكرة أن القضية الفلسطينية لا يمكن اختصارها بمشاريع اقتصادية أو ترتيبات أمنية مؤقتة. فالأردن يرى أن تجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية لن يصنع السلام، بل سيؤسس لانفجار طويل ومفتوح، قد لا تتوقف تداعياته عند حدود فلسطين وحدها.

اليوم، يبدو ترامب أكثر اندفاعًا وثقة من ولايته السابقة، ويبدو أيضًا أقل اهتمامًا بالتحفظات العربية التقليدية. لكنه في المقابل يواجه شرق أوسط أكثر هشاشة وتعقيدًا، وحربًا مفتوحة في غزة، وتوترًا إقليميًا يمتد من إيران إلى البحر الأحمر. وفي وسط هذا المشهد، يزداد وزن الأردن السياسي، لأنه يمثل الدولة القادرة على الجمع بين الاستقرار والاعتدال والقدرة على التواصل مع الجميع.

لكن السؤال الذي سيبقى حاضرًا خلال السنوات المقبلة هو: إلى أي مدى يستطيع الأردن الاستمرار في حماية ثوابته السياسية وسط هذا الضغط الهائل لإعادة تشكيل المنطقة؟

حتى الآن، يبدو أن عمان ما تزال قادرة على المناورة بحذر وذكاء، متمسكة بتحالفها مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه ترفض الانخراط في أي مشروع يمس القضية الفلسطينية أو يهدد الهوية الوطنية الأردنية. وهذه ربما ستكون المعركة السياسية الأهم للأردن في المرحلة المقبلة: كيف يبقى حليفًا أساسيًا للولايات المتحدة دون أن يتحول إلى جزء من مشاريع لا يقتنع بها ولا يستطيع تحمل نتائجها.

زر الذهاب إلى الأعلى