الفرج يضيء على إسهامات الكويتيين في الطباعة بالهند
أول كتاب كويتي يُطبَع في الهند عام 1882... لعبدالجليل الطبطبائي

الجريدة – حمزة عليان
يستعرض الباحث محمد فرج محمد خالد الفرج في دراسةٍ له نشرها في «رسالة الكويت» الصادرة عن مركز البحوث والدراسات الكويتية، إسهامات الكويتيين الأوائل في حركة الطباعة العربية في الهند، ويكشف عن أول كتاب طُبع بتمويل كويتي، وأول كتاب كويتي يُطبع هناك للسيد عبدالجليل الطبطبائي عام 1882، مبيناً أهمية طباعة تراث الشيخ خالد العدساني في بومباي، فضلاً عن إبراز دور الشاعر والأديب خالد الفرج في إنشاء أول مطبعة خاصة عام 1921 (المطبعة العمومية)، وطباعة ديوان الشاعر عبدالله الفرج، وكتب علمية وتربوية أخرى، وفيما يلي عرض مختصر وموجز وبتصرف للدراسة.
أول من أنشأ مطبعة خاصة في الهند هو خالد الفرج
بدأت الطباعة العربية في الهند في القرن التاسع عشر، وأخذت الكتب العربية والإسلامية في الانتشار هناك، وخُصصت مطابع للقيام بهذه المهمة كدائرة المعارف العثمانية، وكانت كتبها تصل إلى أماكن عديدة في الهند وخارجها، لذلك كان الناس يأتون من خارج الهند رغبة في طباعة الكتب في مطابعها.
وزادت المطابع العربية في الهند، لاسيما في منطقة مومباي، التي كانت محلاً للتجارة الدولية وكان يقطن فيها عدد كبير من أبناء الجزيرة العربية الذين ذهبوا إلى هناك لأغراض تجارية، وجعلت تلك العلاقات ارتباط الكويتيين والخليجيين بالهند وثيقاً، مما جعل للهند أثراً اقتصادياً ظاهراً في الكويت والخليج، وأثراً ثقافياً كذلك، حيث تأثر الكويتيون والخليجيون بنمط الحياة الهندية، كذلك السلع الهندية المختلفة أثرت في حياتهم، ويؤكد الدكتور خليفة الوقيان هذا التأثير الهندي في حياة الكويتيين، فذكر أنه «كان أمراً طبيعياً أن يتأثر أبناء التجار والموظفين الكويتيين المغتربين بثقافات البلدان التي أقاموا فيها، ولنا في الشاعر والفنان عبدالله الفرج خير مثال».
ومن السلع المجلوبة من الهند إلى الكويت وجزيرة العرب، الكتب العربية المطبوعة في الهند، وهنا كان أول احتكاك للكويتيين بهذا النوع من الكتب، ولم يكن يأتيهم من الهند نتاج المطابع الهندية فقط، بل حتى نتاج مطابع العالم العربي، أما الكويتيون والخليجيون فكان لهم خط تجاري مباشر مع الموانئ الهندية طوال العام، وبه تُنقل البضائع من الكويت وبلدان الخليج العربي وإليها، وهذا الخط التجاري قوامه سفن كويتية وخليجية، وكذلك سفن إنكليزية، مما أسهم في تيسير وصول البضائع الهندية وغير الهندية المعروضة في الهند إلى شواطئ الخليج العربي، أما بعض الدول العربية كمصر – مثلاً – فلم يكن هناك خط تجاري مباشر يربطها بالكويت وباقي موانئ الخليج العربي، وهذا العامل جعل معرفة الكويتيين بالكتب والمجلات المصرية غالباً مصدره الهند لا مصر.
الصحف والمطبوعات المصرية كانت تصل إلى الكويت عن طريق الهند بواسطة السفن التجارية
ويوضح الأديب أحمد البشر الرومي أنه فيما مضى كانت الصحف والمجلات العربية المشهورة ترد إلى الكويت من الهند بواسطة سفن تجارية يستغرق طريقها 15 يوماً، ولهذه العوامل نفسها قام إخوانهم من البلدان الخليجية بالاستعانة بالمطابع الهندية أيضاً، وقد أحصى عدداً غير قليل من الكتب المطبوعة بتمويل الملك عبدالعزيز آل سعود في الهند الباحث الدكتور عبدالرحمن الشقير.
أول الكتب الكويتية
أما أول كتاب طُبع بتمويل كويتي فهو كتاب: «نيل المآرب في شرح دليل الطالب»، الذي طُبع في المطبعة العامرة بالقاهرة على نفقة الشيخ علي الإبراهيم عام 1871م، وقد نصّ المؤرخ خالد الحاتم على أن هذا الكتاب هو أول كتاب يُطبع على نفقة كويتي، وهذا يدل على وعي الكويتيين المبكر بأهمية الطباعة ونشر الكتب بين الناس عامة، لكن الكويتيين عدلوا عن الطباعة في المطابع المصرية، وإن كانت مطبوعاتها في غاية الجودة، لعدم توافر رؤوس الأموال هناك، ولأن خط التجارة مع الهند كان أنشط وأسرع.
أول كتاب بتمويل كويتي عام 1871 كان على نفقة الشيخ علي الإبراهيم
ولا يُعلَم على وجه التحديد متى طُبع أول كتاب كويتي في الهند، لكن أقدم ما وقف عليه الباحثون في التراث الكويتي هو ديوان السيد عبدالجليل الطبطبائي المسمى «روض الخل والخليل»، حيث طُبع في إحدى المطابع العربية في بومباي عام 1882م بتمويل من حفيد المؤلف السيد مساعد بن السيد أحمد بن السيد عبدالجليل الطبطبائي.
التوجه للمطابع العراقية
وتجدر الإشارة إلى أن اعتماد الكويتيين على المطابع الهندية قلّ بعد عقود من التعاقد معها، إذ طبع الشيخ عبدالعزيز الرشيد رسالته المعنونة بـ «تحذير المسلمين من اتباع غير سبيل المؤمنين» في مطبعة دار السلام في بغداد عام 1911م، وذلك بسبب ذيوع نتاج المطابع العراقية، التي أخذت في التوسع في عملية النشر، وراجت مطبوعاتها، ولكن الأزمات السياسية أدت إلى عدم الاستقرار، خصوصاً وقت الحرب العالمية الأولى، فقلّت الاستفادة من تلك المطابع، وبعد الحرب شهدت الأوضاع السياسية استقراراً ملحوظاً، عاودت بسببه المطابع العراقية نشاطها، وزادت عمليات النشر.
خالد الفرج
ولكون الكويتيين دائمي التردد على البصرة بالخصوص فإنهم اطلعوا على نتاج المطابع العراقية لما توسعت دوائر نشرها ففكروا في الاستفادة من تلكم المطابع، فحولوا الوجهة اتجاه البصرة وبغداد، قاصدين الاستفادة من مطابعهما، وبالفعل تمت طباعة العديد من الكتب الكويتية هناك، وكانت هذه الخطوة إيذاناً بنهاية عهد الاعتماد على المطابع الهندية، ويمكن اعتبار أول عشرينيات القرن العشرين بداية هذا العهد الجديد. ويؤيد الدكتور خليفة الوقيان هذا، ويبين أن المؤلفين الكويتيين أخذوا في التحول عن الطباعة في الهند، واتجهوا إلى المطابع العراقية في العقد الثالث من القرن العشرين.
مطابع البصرة وبغداد أخذت مكان مطابع الهند فترة محدودة
الكويتيون والمطبوعات العربية في الهند
من أقدم ما وقفنا عليه من شراء لجرائد عربية من السوق الهندي هو ما ذكر من اطلاع الشاعر عبدالله الفرج على جريدة «الجوائب» التي أنشأها وحررها الأديب أحمد فارس الشدياق، أحد أعلام العربية، ولم يكتف عبدالله الفرج بقراءة أعدادها بل خاطب منشئها الشدياق وراسله، وكتب قصيدة في مدح الشدياق وجريدته وما تحتويه على أدب وفكر راقٍ له، وكان هذا قبل عام 1878م.
وبعدها توالى ورود المطبوعات العربية إلى الكويت من السوق الهندي، إذ يذكر الأديب أحمد البشر الرومي أن المجلات والجرائد العربية كالمقتطف والهلال والأهرام وغيرها تصل إلى الكويت عن طريق الهند بواسطة السفن التجارية، وهذا الوضع لم يكن في الكويت وحدها، بل كان كذلك في معظم الأقطار الخليجية، إذ كان يصلهم نتاج المطابع العربية عن طريق الهند، فعلى سبيل المثال يذكر مكي سرحان أن الصحف والمجلات العربية من مثل المؤيد والمنار واللواء كانت ترد إلى البحرين عند طريق الهند.
المكانة العلمية
جميع الكتب الكويتية المطبوعة في المطابع الهندية استوفت مراحل النشر وإن وصلتنا بعض هذه المطبوعات دون أن تتوافر تفاصيل خطوات الطباعة والنشر التي مرت بها، لكن من خلال المعلومات عن الكتب التي وصلتنا يمكن استفادة بعض البيانات المتعلقة بمراحل النشر المختلفة، ولتسهيل تصور مراحل نشر المطبوعات الكويتية في الهند نذكر مثالاً قد توافرت عندنا تفاصيل عملية نشره وطباعته، وهو طباعة تراث الشيخ خالد العدساني، الذي يعد أحد علماء الكويت البارزين، وشعرائها المجيدين، وهو من أسرة علمية معروفة في الكويت، وقد تقلّد كثير من رجالاتها منصب القضاء في الكويت، ومن بينهم ابنه الشيخ عبدالله الذي كان عالماً فقيهاً، تقلّد القضاء مدة، وهو الذي سعى إلى طباعة كتب والده، وجمع مسودات الكتب ورتبها ونسقها وأعدها للطبع، لما لها من أهمية علمية وتعليمية وأدبية، وهذه المؤلفات تبرز المكانة العلمية المرموقة للشيخ خالد العدساني مؤلف هذه الكتب، مع كونه كفيفاً، ومع قلة المراجع العلمية الموجودة في الكويت وقتها.
كُتُب الشيخ خالد العدساني استوفت مراحل النشر في مطابع بومباي
ففي رسالة مرسلة سنة 1901م من الشيخ عبد الله العدساني إلى التاجر أحمد العبد الجليل يحثه على طباعة كتب والده، ويرشح له طباعتها في مطبعة البيان في بومباي.
لكن ما مصير الديوان والنظمين؟ أطبعت؟ أم لا؟ كان هذا محل تساؤل كثير من الباحثين، إذ لا يعلم عن هذه الكتب شيء، إلى أن طبع حديثاً كتاب: «القضاة العداسنة والقضاء في الكويت» للباحثة عائشة العدساني، وذكرت أنها عثرت على ورقات من ديوان الشيخ خالد العدساني مطبوعاً، وأثبتتها في كتابها، فحصل اليقين بأن الديوان قد طبع، أما النظمان المذكوران في الرسالة أعلاه فيغلب على الظن أنهما قد طبعا، لكنهما لم يصلا إلينا، فلا يزالان في عداد المفقود لأنه لا يعلم لهما وجود.
ففي طباعة تراث الشيخ خالد العدساني تظهر مراحل الطباعة والنشر المختلفة، إذ الشيخ خالد هو المؤلف، والناشر ابنه عبدالله العدساني، والطباعة تمت في إحدى المطابع الهندية، والموزع الشيخ عبدالله العدساني بمساعدة أحمد العبد الجليل والشيخ عبدالله العدساني هو الذي قام بإدارة العملية مكتملة، فمراحل الطباعة هذه تمت بعد اختياره الكتب المطبوعة، وذلك نظراً لأهميتها، ثم رصده ميزانية للطباعة، وما يتبع ذلك من تراسل مع وكلاء في الهند لطبع الكتب ونشرها وتوزيعها.
ولم يكن تراث الشيخ العدساني هو الوحيد الذي تمت طباعته في مطابع الهند، فقد طبع كتاب «العين والأثر في عقائد أهل الأثر» للشيخ عبدالباقي الحنبلي، وقد طبع على نفقة السيد فهد بن خالد الخضير في مطبعة الترقي في بومبي عام (1906م)، وطبع كتاب «رسالة في تسهيل التجويد للقرآن المجيد للسيد عمر عاصم على نفقة السيد جاسم بن محمد بودي في المطبعة المصطفوية في بومبي عام (۱۹۱۷م).
الكويتيون وحركة النشر العربية في الهند
انتقلت مشاركة الكويتيين في حركة النشر العربية بالهند إلى طور جديد على يد الشاعر الأديب خالد الفرج، إذ كان الكويتيون قبله يقومون باختيار الكتب المراد طباعتها، ثم التكفل بدفع المبالغ المالية والتعاقد مع ملّاك المطابع لإتمام الطبع، ومن ثم نشر الكتب المطبوعة وتوزيعها.
لكن خالد الفرج كان له إسهام في عمل المطبعة نفسها من حيث كونها مشروعاً تنويرياً، إذ أنشأ مطبعة خاصة له في بومباي بحدود عام 1921م، سماها المطبعة العمومية، وكان هو أول من أنشأ مطبعة في الهند من أبناء الخليج العربي، ولم يؤسسها إلّا بعد تمرّسه في مهنة التصحيح العلمي للكتب، وإعداد مسودتها للطباعة، من خلال إشرافه التام على طباعة ديوان عبدالله الفرج في المطبعة السورتية بالهند عام 1919م.
وينبغي الإشارة إلى أن طباعة الكتب في ذلك الوقت لا تعني صف الحروف وإعداد مسودة الكتاب للطباعة فقط، بل كانت تشمل المقابلة على نسخة مخطوطة للكتاب المراد طبعه، وإعداد نسخة مسودة للطبع على هذا الأصل المخطوط، بعد تصحيحها وفكّ رموزها وإصلاح ما فيها من فساد، وأحياناً تضاف بعض التعليقات الضرورية، وهذا التصحيح العلمي في حقيقته يشتمل على غالب أركان «التحقيق العلمي» للكتب المخطوطة الذي ظهر في مرحلة لاحقة، فهذا التصحيح العلمي كان العامل الأول، بل الأساس في بداية حركة إحياء التراث العربي المخطوط في العصر الحديث.
وبعد طباعة ديوان الشاعر عبدالله الفرج، انتشر في الكويت بل في الخليج، فهذا الشيخ الأديب إبراهيم بن محمد آل خليفة يقتني نسخة من ديوان الفرج، ويتباهى بها أمام رواد مجلسه الثقافي، وظل في مكتبته يقرؤه مرتادوها، فذاع صيت جهود الفرج في طباعة الكتب وتصحيحها، ولذلك قصده مجموعة من كبار الوجهاء العرب في الهند والخليج للتعاون معه في طباعة الكتب، وتوفير الدعم المادي لإتمام الطبع، فمن ذلك ما قام به الوجيه مقبل بن عبدالرحمن الذكير، أحد كبار تجار اللؤلؤ الخليجيين بتمويل طباعة كتابين عام من الموافق 1922م، كتاب «البحور الزاخرة في علوم الآخرة « للإمام أحمد السفاريني، وكتاب «اللطائف» للإمام ابن رجب الحنبلي، وقد أخبر عن طباعة هذين الكتابين الشيخ محمد بن عبدالعزيز المانع في مقالته التأبينية للوجيه الذكير في مجلة المنار، وقد بيّن خالد الفرج نفسه ما يكابده المصحح من مشقة وعناء في سبيل المقابلة والتصحيح، بُغية إخراج طبعة سليمة لكتاب تراثي، إذ يقول ذلك في خاتمة طبع كتاب «البحور الزاخرة في علوم الآخرة»، بعد أن بيّن أن عملية الطبع تمت بتصحيحه ومراقبته مع مراعاته «النسخة الأصلية مع ما فيها من تحريف الناسخ بقدر الإمكان».
الحقل التربوي والدور التنويري
أشار الفرج في أوراقه الخاصة إلى تعاون في الطباعة بينه وبين الوجيه عبدالرحمن القصيبي؛ أحد وكلاء الملك عبدالعزيز، وقد قام عبدالرحمن القصيبي بطبع العديد من الكتب المتعلقة بالمنهج السلفي في الهند على نفقة الملك، وتمت الاستعانة بالفرج في طباعة كتاب «التوحيد» للشيخ محمد بن عبدالوهاب في مطبعته عام ۱۹۲۰م، وتوجد نسخة تجريبية لهذه الطبعة عليها تعديلات وملاحظات بخط اليد محفوظة في المكتبة الشخصية للملك عبدالعزيز.
ومن جملة الدور التنويري لمطبعة الفرج، طباعة كتب علمية دراسية، فمن ذلك طباعة كتاب «مرشد الكاتب» من تأليف عبدالرؤوف الحسيني، وهو كتاب تعليمي يصب في تطوير الحقل التربوي العلمي، وقد أهدى مؤلف الكتاب نسخاً منه لطلاب علم كويتيين، وهذا يبيّن مدى تأثير المطبعة في المساهمة بتعزيز الحركة التعليمية في الكويت، وكذلك يؤكد أن أثر المطبعة العمومية لم يكن مقصوراً على بومباي – مكان وجودها – بل كان متعدياً إلى الأقطار الخليجية.
ومن القضايا التي التفت إليها الفرج حال كونه مشتغلاً في تصحيح الكتب وإعدادها للطبع، ما لاحظه من قصور وصعوبة لعملية الطباعة بالحرف العربي، مقارنة بسهولة الطباعة بأحرف غيرها من اللغات، مما قدح في ذهنه الكتابة بالتفصيل عن هذه المعضلة، وبيان مضارّها، وذكر مقترحات لتفاديها، فلذلك كتب بحثاً علمياً لاحقاً عام 1930م، ونشر هذا البحث العلامة محمد كرد علي في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، أو ما يُعرف بمجمع اللغة العربية في دمشق حالياً، وقد بيّن في هذا البحث أساس المشكلة، واقترح جملة اقتراحات لتطوير الكتابة العربية لتسهيل عمل المطابع، ومن جملة ما آل إليه تطوير رسم الحروف العربية لتسهيل الطباعة.