اكاديمية لوياك لا تصنع برامج… بل جيلاً يعرف كيف يصنع مستقبله

النشرة الدولية –

هناك مؤسسات تطلق برامج وتنتهي بانتهاء جدولها الزمني، وهناك مؤسسات أخرى تمتلك رؤية أبعد؛ لا تكتفي بأن تملأ وقت الشباب، بل تعمل على تشكيل وعيهم، وصقل شخصياتهم، وبناء أدواتهم التي يحتاجونها لمواجهة المستقبل.

وهنا تأتي «لوياك» بوصفها واحدة من التجارب الشبابية التي أثبتت، عاماً بعد عام، أن العمل الحقيقي مع الشباب لا يُقاس بضجيج الفعاليات، وإنما بحجم الأثر الذي تتركه في الإنسان.

ومن هذه الرؤية تحديداً، جاءت «العيادة القانونية»؛ مبادرة نوعية تكشف مرة أخرى عن وعي إدارة «لوياك» بأهمية الانتقال بالعمل الشبابي من دائرة الأنشطة التقليدية إلى فضاء التجربة والمعرفة والتفكير والمسؤولية.

لقد جاء إطلاق برنامج قانوني موجه إلى فئة عمرية بين 13 و18 عاماً وهو ليس مجرد فكرة جميلة؛ بل هو قرار يعكس فهماً عميقاً للتحولات التي يعيشها الشباب اليوم. والأهم من ذلك أن «لوياك» لم تقدم القانون بأسلوب أكاديمي جاف، بل أعادت صياغته بلغة الشباب، واستعانت بالمسرح والمحاكاة والنقاش والحالات الواقعية، لتحول المعرفة القانونية من معلومة تُسمع إلى تجربة تُعاش.

وهنا تحديداً تظهر قيمة القيادة التي تقف خلف هذه التجربة.

قيادة تعرف أين يجب أن يكون الشباب، القيمة الحقيقية لأي مؤسسة شبابية لا تظهر في عدد الفعاليات التي تنظمها، وإنما في نوعية الأفكار التي تختارها، والتوقيت الذي تطرحها فيه، والرسالة التي تريد أن تتركها خلفها.

و«لوياك» في «العيادة القانونية» قدمت نموذجاً لقيادة تعرف أن الشباب اليوم يحتاجون إلى أكثر من الترفيه، وأكثر من الدورات التقليدية.

يحتاجون إلى من يسَلّحهم بالوعي. إلى من يضع أمامهم الأسئلة الصعبة. إلى من يعلمهم أن الحرية تقترن بالمسؤولية، وأن الحقوق يقابلها واجبات، وأن العالم الرقمي ليس مساحة بلا قوانين، وأن القرار الذي يتخذه الإنسان في لحظة قد يترك أثراً طويلاً في حياته.

هذه ليست مجرد إدارة برنامج، هذه إدارة رؤية، وهي رؤية تستحق الإشادة لأنها تنظر إلى الشباب باعتبارهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد مستفيدين من البرامج.

أكاديمية لوياك… حين يصبح المسرح أداة لصناعة الوعي

ومن أبرز عناصر القوة في التجربة الدور الذي لعبته أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا».

فإدخال المسرح إلى برنامج قانوني كان اختياراً ذكياً وجريئاً في آن واحد.

لأن القانون عندما يُقدم في كتاب قد يُنسى، وعندما يُشرح في محاضرة قد يبقى في حدود المعرفة، لكنه عندما يتحول إلى موقف ومشهد وشخصية وحوار ومرافعة، فإنه يتحول إلى تجربة شخصية.

وهذا تحديداً ما نجحت «لابا» في تحقيقه بإشراف المخرجة شيرين حجي.

لم يكن الطلاب جمهوراً يجلس في المقاعد. كانوا جزءاً من الحدث. دخلوا في المواقف، أدوا الأدوار، ناقشوا القضايا، قدموا المرافعات، وواجهوا الأسئلة.

فجأة أصبح الحديث عن الابتزاز الإلكتروني وانتحال الشخصية والسرقة والاعتداء وتصوير الآخرين دون إذن وتخريب الممتلكات العامة، ليس مجرد موضوع قانوني، بل موقفاً يستطيع الطالب أن يراه ويفهمه ويحلله.

وهنا يصبح المسرح مدرسة.

وتصبح الثقافة القانونية أكثر قرباً، وأكثر تأثيراً، وأكثر قابلية للبقاء في الذاكرة.

ثلاثة أسابيع… ولكن الرسالة أكبر بكثير

على مدى ثلاثة أسابيع، أخذت «العيادة القانونية» المشاركين في رحلة متدرجة ومدروسة.

بدأت بالثقافة القانونية وحقوق الشباب وواجباتهم، مروراً بالنظام القضائي والعقود والمسؤولية القانونية، ثم انتقلت إلى عالم الجرائم الإلكترونية والخصوصية والأمن الرقمي والابتزاز الإلكتروني، قبل أن تصل إلى قضايا مجتمعية شديدة الحساسية، من بينها التنمر والسرقة والضرب والاعتداء والمخدرات.

هذا التنوع لم يكن ترفاً في المحتوى.

بل كان انعكاساً لواقع الشباب نفسه.

فالشاب الذي يحمل هاتفاً ذكياً ويستخدم منصات التواصل يومياً، يحتاج إلى فهم الخصوصية والابتزاز والاحتيال الإلكتروني.

والشاب الذي يعيش في المجتمع يحتاج إلى معرفة حقوقه وواجباته.

والشاب الذي يواجه ضغوط الأصدقاء يحتاج إلى فهم أن بعض السلوكيات قد تتجاوز حدود المزاح إلى المسؤولية القانونية.

لذلك كان البرنامج يجيب عن سؤال بالغ الأهمية:

كيف نجعل القانون حاضراً في حياة الشباب قبل أن يضطروا إلى مواجهته في أزمة؟

والإجابة جاءت واضحة: بالتوعية المبكرة، والتجربة العملية، والحوار.

حين يلتقي القانون بالمجتمع

من نقاط القوة التي رفعت قيمة البرنامج أيضاً مشاركة نخبة من المختصين والخبراء القانونيين، إلى جانب ممثلي وزارة الداخلية من قطاعات مختلفة.

الدكتور محمد بوزبر، والدكتور حسين العبدالله، والدكتور فايز الفضلي، قدموا المعرفة القانونية والخبرة المهنية، بينما أضاف ممثلو وزارة الداخلية بعداً واقعياً وتطبيقياً للقضايا التي نوقشت. وهنا تظهر أهمية الشراكة.

فالشباب لا يحتاجون إلى معلومة قانونية مجردة فقط، بل يحتاجون إلى فهم كيف تعمل المؤسسات، وكيف يتصرفون عند تعرضهم لمشكلة، وأين يطلبون المساعدة، وما المسؤولية التي تقع عليهم.

إن تكامل «لوياك» مع أكاديمية «أركان للتدريب القانوني» ووزارة الداخلية و«لابا» والأهالي، يقدم نموذجاً يمكن أن يحتذى به في تصميم برامج شبابية أكثر تأثيراً.

«العيادة القانونية»… استثمار في الإنسان قبل أن يكون استثماراً في المعرفة

ربما تكون أجمل قراءة لهذه التجربة أنها لم تتعامل مع القانون باعتباره مادة تعليمية، بل باعتباره جزءاً من بناء شخصية الشاب. فالهدف ليس أن يحفظ الطالب العقوبة أو يعرف اسم الإجراء القانوني. الهدف أن يتعلم التفكير قبل التصرف.

أن يسأل قبل أن ينشر. أن يتوقف قبل أن يعتدي. أن يعرف حقه دون أن يتجاوز حق غيره. أن يدرك أن العالم الرقمي له قوانينه ومسؤولياته. وأن يفهم أن احترام القانون ليس خوفاً من العقوبة، وإنما احترام للذات وللمجتمع ولحقوق الآخرين. وهذه رسالة تربوية عميقة.

إدارة آمنت بأن الشباب يستحقون الأفضل

ما قامت به إدارة «لوياك» في هذه التجربة يستحق الإشادة لأنه يعكس قدرة المؤسسة على قراءة احتياجات الجيل الجديد، وتحويلها إلى برامج مبتكرة تحمل قيمة حقيقية.

فالقيادة الناجحة لا تنتظر أن تصبح المشكلة أزمة حتى تتحرك. بل تستبقها. ولا تنتظر أن يطلب الشباب المعرفة. بل تذهب إليهم بالطريقة التي تناسب عالمهم. ولا تكتفي بتقديم المحتوى. بل تبحث عن الطريقة التي تجعل هذا المحتوى حياً ومؤثراً.

وهذه واحدة من أهم نقاط القوة في تجربة «لوياك»: أنها تعرف أن الشباب لا يحتاجون إلى من يتحدث إليهم فقط، بل إلى من يشركهم ويمنحهم الثقة والمساحة ليكتشفوا بأنفسهم.

فتوح الدلالي… القانون كقيمة ومسؤولية وسلوك

وفي ختام البرنامج، جاءت كلمة عضو مجلس إدارة «لوياك» فتوح الدلالي لتختصر روح التجربة حين أكدت أن البرنامج لم يكن مجرد تدريب، بل «رحلة وعي» هدفت إلى تقديم القانون باعتباره قيمة ومسؤولية وسلوكاً يومياً.

وهي رؤية تختصر جوهر ما يجب أن تكون عليه برامج الشباب. فالوعي الحقيقي ليس شهادة تُعلق على الحائط. ولا دورة تنتهي بانتهاء الحفل. الوعي هو ما يبقى مع الإنسان عندما يعود إلى حياته اليومية. وهنا تحديداً يكمن نجاح «العيادة القانونية».

شيرين حجي… حين يتكلم المسرح بلغة الشباب

أما المخرجة شيرين حجي، فقد قدمت من خلال الإشراف على الجانب المسرحي نموذجاً مهماً لكيف يمكن للفن أن يتحول إلى وسيلة للتوعية. فالمسرح في هذه التجربة لم يكن زينة للبرنامج، ولم يكن فقرة ختامية لإبهار الحضور. كان جزءاً من المنهج. كان مساحة للتفكير. ومكاناً يختبر فيه الطالب موقفه، ويدافع عن رأيه، ويستمع إلى الآخر، ويكتشف أن القضية الواحدة قد تحمل أكثر من زاوية. وهذا بالضبط ما يحتاج إليه الشباب: أن يتعلموا التفكير، لا أن يتعلموا الإجابات فقط.

النهاية التي يجب ألا تكون نهاية

انتهت الأسابيع الثلاثة، واختُتمت الفعاليات، وتم تكريم المشاركين وشركاء النجاح. لكن من الخطأ أن ننظر إلى ذلك باعتباره نهاية. فالنسخة الأولى من «العيادة القانونية» يجب أن تكون بداية لمسار أكبر. مسار يصل إلى عدد أكبر من الشباب. ويدخل المدارس والجامعات والمؤسسات الشبابية. ويطور أدواته. ويستفيد من تجربة نسخته الأولى. لأن الفكرة تستحق أن تكبر. بل تستحق أن تصبح نموذجاً يحتذى به.

ففي وقت تتسابق فيه المؤسسات على تنظيم الفعاليات، اختارت «لوياك» أن تقدم شيئاً أكثر عمقاً. اختارت أن تضع القانون بين يدي الشباب. أن تجعله مفهوماً لا مخيفاً، وقريباً لا بعيداً، وتفاعلياً لا جامداً. اختارت أن تجمع القانون بالمسرح، والخبرة الأكاديمية بالتجربة العملية، والأسرة بالمؤسسات، والشباب بالمتخصصين.

وهذا هو العمل الشبابي الحقيقي. أن تترك في الإنسان شيئاً لا ينتهي بانتهاء البرنامج.

شكراً لإدارة «لوياك» على هذه الرؤية.

وتحية لأكاديمية «لابا» على تحويل القانون إلى مشاهد حية نابضة.

وتحية لأكاديمية «أركان» والخبراء والمحامين وممثلي وزارة الداخلية على شراكتهم.

وتحية خاصة لكل طالب وطالبة وقفوا أمام الجمهور، ناقشوا، مثلوا، ترافعوا، وفكروا.

أما «العيادة القانونية»، فقد أثبتت نسختها الأولى أن القانون يمكن أن يكون قريباً من الشباب، وأن التوعية يمكن أن تكون ممتعة، وأن المسرح يمكن أن يصنع وعياً، وأن المؤسسة التي تؤمن بالشباب تستطيع أن تفعل أكثر بكثير من تنظيم برنامج.

تستطيع أن تزرع فيهم فكرة قد تغيّر قراراً… والقرار قد يغيّر حياة كاملة. وهنا تحديداً تكمن عظمة التجربة.

أكاديمية لوياك لم تُسدِل الستار على «العيادة القانونية»… بل رفعت الستار على مرحلة جديدة من الوعي.

زر الذهاب إلى الأعلى