فارعة السقاف التي اختارت أن تصنع القادة من الشباب

لا شك فيه بأن هناك لحظات في حياة الإنسان لا تُقاس بما كسبه فيها، بل بما قرر أن يتخلى عنه، فهناك أشخاص لا تكشف قيمتهم الحقيقية المناصب التي وصلوا إليها، وإنما الطريق الذي اختاروا أن يسلكوه بعدها، وفي هذا المعنى تحديداً، تبدو تجربة السيدة الفاضلة، فارعة أحمد السقاف مختلفة، عن الكثير، تستحق أن يُكتب عنها، لعل هناك من يقرأ ويفهم.
فالسيدة الفاضلة، فارعة السقاف، لم تصل إلى العمل العام من فراغ، فقد درست الاقتصاد والإحصاء، وعملت في وزارة التخطيط، ثم تولت مسؤوليات في التخطيط الاقتصادي بالخطوط الجوية الكويتية، وخاضت تجربة الاستثمار المباشر في الولايات المتحدة وبريطانيا.
كان أمامها مسار مهني واضح، وربما طريق إلى مزيد من المناصب والوجاهة.
لكنها اختارت طريقاً آخر.
اختارت الشباب، ونقلت خبرتها في الإدارة والاقتصاد إلى مساحة أكثر اتساعاً: بناء الإنسان.
ومن هنا بدأت قصة «لوياك».
من إدارة المؤسسات إلى صناعة القادة
وفي تجربة السقاف هناك سؤالاً، ليس كيف وصلت، وإنما لماذا اختارت أن تذهب في اتجاه آخر؟
فقد أعادت السقاف تعريف النجاح باعتباره أثراً يتجاوز صاحبه. فإدارة مؤسسة تعني أن تجعل العمل يسير، أما بناء مؤسسة قادرة على تطوير الآخرين، فيعني أن تترك وراءك أشخاصاً يستطيعون مواصلة الطريق بأنفسهم.
ولهذا لم تكن «لوياك» مجرد مشروع شبابي، بل ترجمة عملية لفلسفة آمنت بها السقاف ومارستها.
في عام 2002 بدأت الفكرة بسؤال بسيط وعميق: كيف يمكن إعداد الشباب للحياة والعمل، لا بالمعرفة وحدها، وإنما بالثقة والمهارة والمسؤولية؟
كانت السقاف تقول: «الأفكار ملك الكون، وما لا يُنفذ لا قيمة له».
لذلك تحولت الفكرة إلى برامج، ثم إلى مؤسسة، ثم إلى شبكة من التجارب والشراكات تجاوزت الكويت.
لوياك.. مدرسة للحياة
لم تنظر «لوياك» إلى الشباب باعتبارهم باحثين عن وظيفة فقط، فقد جمعت بين التدريب المهني، والعمل الجزئي، والتطوع، والرياضة، والفنون، وبرامج القيادة، والاحتكاك المباشر بسوق العمل والمجتمع.
فقد كانت الفكرة التي تجمع هذه المسارات هي أن بناء الشخصية لا يحدث في قاعة دراسية واحدة، فالمعرفة تحتاج إلى ثقة، والمهارة تحتاج إلى مبادرة، والعمل يحتاج إلى معنى، والنجاح الشخصي يكتمل حين يقترن بالمسؤولية تجاه المجتمع.
ومن هنا لم تكن الرياضة والفنون إضافات جانبية، بل أدوات لاكتشاف الذات وتعزيز الانضباط والعمل الجماعي والقدرة على التعبير.
الفن كأداة لبناء الإنسان
ويظهر هذا التصور بوضوح في تأسيس أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا»، وقد تبدو الفنون بعيدة عن التدريب المهني، لكن السقاف رأت فيها وسيلة لبناء جوانب أساسية في شخصية الشاب: الجرأة، والانضباط، والتعاون، والتعبير عن الذات.
هنا تغير السؤال من «ماذا سيعمل هذا الشاب؟» إلى سؤال أعمق: «من سيكون هذا الشاب؟»
التمكين.. من الفرصة إلى القدرة
وصلت «لوياك» إلى الأردن عام 2008، وتوسعت برامجها في التدريب العملي والمهارات الشخصية والعمل والتطوع.
وتشير بيانات «لوياك الأردن» إلى أنها دربت أكثر من 21 ألف شاب، وساعدت أكثر من 17 ألفاً في الحصول على فرص تدريب عملي، فيما أتاحت شراكاتها مع المؤسسات للشباب الاحتكاك المباشر ببيئة العمل.
لكن التجربة لا تختصرها الأرقام. جوهرها كان في تحويل المساعدة إلى قدرة.
لم تكن الفكرة أن تقول للشاب: «سنساعدك»، بل أن توفر له الفرصة والخبرة والأدوات التي تمكنه من مساعدة نفسه.
ولهذا اتسع مفهوم التمكين ليشمل العمل والتطوع والفنون والقيادة والمشاركة في اتخاذ القرار. فالشاب الذي يتدرب لا ينبغي أن يبقى متلقياً، بل أن يصبح قادراً على المبادرة وتحمل المسؤولية.
ومن هذا المنطلق جاء إنشاء مجلس شباب لوياك، تعبيراً عن قناعة بضرورة إشراك الشباب في التخطيط للمستقبل والاستفادة من رؤيتهم.
فالمؤسسة التي تعمل من أجل الشباب من دون أن تسمعهم تظل أسيرة رؤيتها الخاصة. أما حين تمنحهم مساحة في التخطيط والقرار والتنفيذ، فإنها تحولهم من مستفيدين إلى شركاء.
ولم تفصل «لوياك» بين بناء المستقبل المهني والمسؤولية الاجتماعية. فالتطوع والمبادرات الإنسانية والمشروعات المجتمعية كانت جزءاً من التجربة، لأن إعداد الشاب للحياة لا يعني فقط أن يصبح أكثر قدرة على العمل، بل أيضاً أكثر وعياً بمحيطه وقدرة على العطاء.
وبهذا المعنى، لم يكن التطوع نشاطاً منفصلاً عن التمكين، بل وجهه الآخر؛ فالإنسان المُمكَّن ليس من يملك القدرة على تحسين حياته فحسب، وإنما من يكتشف أن لديه أيضاً القدرة على التأثير في حياة الآخرين ومجتمعه.
وهكذا تحولت «لوياك» من مساحة تقدم الفرص إلى بيئة تصنع المبادرة، ومن مؤسسة تعمل من أجل الشباب إلى تجربة تمنحهم مساحة ليكونوا شركاء في صناعة ما يأتي.
وكانت السيدة الفاضلة، فارعة السقاف،  وهي التي حصلت على تكريمات عدة تقديراً لدورها في العمل الشبابي والمجتمعي، من بينها تكريم «المرأة العربية الرائدة» عام 2018.
لكنها أهدت التكريم إلى «لوياك» ورفيقات دربها، في موقف يلخص تصورها للنجاح الجماعي.
وقالت عن المؤسسة: «لوياك أكبر بكثير من أن تُختصر في شخصها».
وربما تكمن أهمية هذه العبارة في أنها تلخص أحد أصعب اختبارات القيادة: أن تنجح في بناء مؤسسة لا تعتمد على مؤسسها.
فحين يصبح المشروع أكبر من صاحبه، يتحول الإنجاز الفردي إلى أثر مستدام.
قصة اختيار قبل أن تكون قصة إنجاز
يمكن تعداد البرامج والشراكات والجوائز والأرقام، لكن ذلك لا يجيب وحده عن جوهر التجربة.
ما الذي يجعل شخصاً يمتلك مساراً مهنياً ناجحاً يعيد تعريف النجاح؟
وفي حالة السيدة السقاف، يبدو أن الإجابة تكمن في إعادة توظيف خبرتها.
فالتخطيط والخبرة الإدارية والعلاقات المهنية لم تعد غايات في حد ذاتها، بل أدوات لبناء مؤسسة تمنح الشباب فرصاً حقيقية للنمو والعمل والمشاركة.
لهذا لم تكن غايتها أن تصنع مؤسسة تحمل اسمها، بل بيئة يستطيع من يدخلها أن يخرج منها أكثر قدرة على الوقوف وحده.
من صناعة القرار إلى صناعة الأثر
هناك فرق بين صاحب القرار وصاحب الأثر. وقد تنتهي سلطة الأول بانتهاء المنصب، بينما يستمر أثر الثاني في الأشخاص الذين ساعدهم على النمو، وهذا ما يجعل تجربة فارعة السقاف جديرة بالقراءة اليوم.
وفي زمن يكثر فيه الحديث عن تمكين الشباب، تقدم تجربتها نموذجاً عملياً يجمع بين التدريب والعمل والفنون والتطوع والقيادة والشراكة مع المجتمع والقطاع الخاص، ولم يكن التمكين عندها شعاراً، بل مساراً يبدأ بالفرصة وينتهي بالقدرة على الاختيار والمبادرة وتحمل المسؤولية.
ختاماً… ماذا لو لم تكن فارعة استثناءً؟
المناصب إلى زوال، والألقاب عابرة، وحتى أكثر الإنجازات بريقاً تخفت مع الزمن. أما ما يُزرع في الإنسان، فيبقى.
ويبقى في شاب اكتشف للمرة الأولى أنه قادر، وفي فتاة وجدت من يصدق بموهبتها قبل أن تصدق هي بها، وفي إنسان فُتح أمامه باب في اللحظة التي كان يظن فيها أن الأبواب كلها قد أُغلقت.
ومن هنا، لا تبدو قصة فارعة السقاف مجرد قصة امرأة أسست مؤسسة وراكمت تجربة وحققت أثراً. إنها، في جوهرها، سؤال مفتوح أمام العالم العربي كله: ماذا لو كان لدينا المزيد من أمثالها؟
ماذا لو وُجد في كل بلد عربي، وفي كل مدينة، وفي كل مؤسسة، من يرى في الشباب ثروة لا عبئاً، وفي طاقاتهم مشروعاً لا مشكلة، وفي أحلامهم بداية طريق لا حلماً مؤجلاً؟
وكم من موهبة كان يمكن أن تصل، لو وجدت من يمنحها فرصة؟
وكم من قائد كان يمكن أن يظهر، لو وجد في بداياته من يؤمن به؟
وكم من وطن كان يمكن أن يتغير، لو تحولت طاقة شبابه من انتظار الفرصة إلى صناعة الفرصة؟
هذه هي القيمة الأعمق لتجربة فارعة السقاف: أنها لم تتعامل مع الشباب باعتبارهم مستفيدين من مشروع، بل باعتبارهم أصحاب المستقبل. لم تكتفِ بأن تفتح لهم الباب، بل أرادت أن تمنحهم ما يجعلهم قادرين على فتح الأبواب لغيرهم.
وهنا يصبح التمكين أكثر من برنامج، والتطوع أكثر من نشاط، والقيادة أكثر من منصب. تصبح كلها طريقة في النظر إلى الإنسان.
وربما لهذا فإن أجمل ما يمكن أن نتمناه في عالمنا العربي ليس أن نرى فارعة واحدة نحتفي بها، بل أن تتعدد الفوارع، وأن تتكاثر التجارب التي تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي ليس في المباني ولا في الأرقام ولا في المناصب، وإنما في الإنسان.
أن يكون في كل جيل من يقول لشاب متردد: جرّب.
ومن يقول لموهبة خجولة: أظهري نفسك.
ومن يقول لمن يظن أن الطريق انتهى: ابدأ من هنا.
فالأوطان لا تنهض فقط حين يتغير أصحاب القرار، بل حين يتغير أولئك الذين سيحملون القرار غداً.
ولا تُبنى النهضات الكبرى بكثرة الحديث عن المستقبل، وإنما بإعداد الإنسان الذي يستطيع أن يصنعه.
لهذا، ربما لا يكون الإرث الأهم لفارعة السقاف ما أسسته من مؤسسات، ولا ما جمعته من جوائز، ولا عدد البرامج التي مرت عبرها أجيال من الشباب.
الإرث الحقيقي هو أولئك الذين مضوا أبعد مما كانت تستطيع أن تذهب، لأن أحداً آمن بهم وترك لهم الطريق.
وفي ذلك تكمن أرقى معاني القيادة: أن تصل، ثم لا تجعل الوصول امتيازاً شخصياً.
أن تنجح، ثم تجعل من نجاحك جسراً يعبر عليه الآخرون.
أن تترك المكان يوماً، لكن تترك خلفك من يستطيع أن يكمل المسيرة.
ولعلنا، في وطن عربي يملك من الشباب ما يكفي لصناعة قرون من المستقبل، نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن تتكرر هذه القصة.
لا أن تبقى فارعة اسماً وحسب، بل أن تصبح نموذجاً نقتدي به.
فحين يصبح لكل شاب فرصة، ولكل موهبة مساحة، ولكل حلم من يؤمن به، لن يكون المستقبل العربي وعداً مؤجلاً. سيكون شيئاً نصنعه بأيدينا.
وهناك، في تلك اللحظة تحديداً، يصبح الأثر أكبر من صاحبه، وتصبح الحكاية أكبر من اسم واحد.
وتصبح فارعة السقاف واحدة من البدايات.
زر الذهاب إلى الأعلى