سوسن مهنا تكسر جدار الصمت وتعرّي أوهام المحور الإيراني: حين تسقط الشعارات أمام امتحان الحقيقة

النشرة الدولية – المحرر السياسي –

ليست الجرأة في الكتابة السياسية أن تقول ما يرضي الجمهور، أو أن تكرر الروايات التي اعتاد الناس سماعها، بل أن تمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة التي يتجنبها الآخرون، وأن تضع الوقائع أمام القارئ حتى عندما تزعج أصحاب النفوذ، وتربك حسابات الأحزاب، وتصطدم بخطابات جرى تسويقها لسنوات باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش.

بهذا المعنى، تظهر كتابات سوسن مهنا في «اندبندنت عربية»، ومنها مقالها «من نصرالله إلى خامنئي… الطوفان الذي طال رأس المحور»، الذي أعاد موقع «النشرة الدولية» نشره، بوصفها محاولة جادة لقراءة التحولات العاصفة التي شهدتها المنطقة، وتفكيك الروايات السياسية السائدة، والانتقال بالنقاش من ضجيج الشعارات إلى جوهر الوقائع، ومن التبرير التعبوي إلى مساءلة النتائج السياسية والاستراتيجية.

إن ما يستحق الإشادة في قلم سوسن مهنا ليس مجرد تناولها ملفات شائكة، بل استعدادها لفتح أبواب النقاش في قضايا اعتادت بعض القوى السياسية والجماعات المسلحة أن تحيطها بهالة من القداسة، حتى أصبح نقد القرار السياسي عند بعض أنصارها وكأنه خروج على الثوابت، ومساءلة الحسابات العسكرية أشبه باتهام للمبادئ، ومراجعة النتائج أمراً لا يجوز الاقتراب منه.

لكن السياسة ليست عقيدة مغلقة، والقيادات ليست فوق المحاسبة، والمشاريع التي ترفع شعارات كبرى لا تُعفى من سؤال النتائج. ومن هنا تأتي أهمية الكتابة التي لا تكتفي بوصف الحدث، بل تحاول تفسيره، ولا تنشغل فقط بمن انتصر في الخطاب، بل تسأل عمّا تحقق فعلياً على الأرض، ومن دفع الثمن، وما إذا كانت التضحيات قد قادت إلى الأهداف التي رُفعت باسمها.

عندما تتحول الشعارات إلى ستار يحجب الحقيقة

لسنوات طويلة، بنت قوى مرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة جانباً مهماً من خطابها السياسي على مفاهيم المقاومة والردع ووحدة الساحات، وقدمت نفوذها العسكري والإقليمي باعتباره ضمانة لحماية الحلفاء ومواجهة الخصوم وتعزيز مكانة طهران في معادلات المنطقة.

غير أن التحولات المتلاحقة فرضت أسئلة لا يمكن إسكاتها بالبيانات والخطب: أين تقف حدود هذا النفوذ؟ ما مقدار الحماية التي وفرتها هذه الشبكات لحلفائها؟ وهل كانت الحسابات الاستراتيجية بمستوى المخاطر التي تحملتها المجتمعات التي وجدت نفسها في قلب المواجهة؟

هنا تتجلى أهمية ما تطرحه سوسن مهنا؛ فهي تدفع القارئ إلى التمييز بين الشعارات التي ترفعها القوى السياسية والنتائج التي تحققها على الأرض. فليس كل من يتحدث باسم المقاومة قد حقق بالضرورة أهدافها، وليس كل توسع في النفوذ دليلاً على قوة مستدامة، وليس كل مواجهة عسكرية إنجازاً استراتيجياً لمجرد أن أصحابها يصفونها بذلك.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع سياسي هو أن تتحول روايته عن نفسه إلى حقيقة وحيدة ممنوع مساءلتها، وأن يصبح الاعتراف بالخسائر جريمة، والنقد خيانة، ومراجعة القرارات تراجعاً عن المبادئ.

فالمقاومة، مثل أي خيار سياسي وعسكري، لا تُعفى من تقييم النتائج، والقيادات التي تطلب من مجتمعاتها تحمل أعباء المواجهة مطالبة بتفسير حساباتها، لا بالاكتفاء بتقديم الخسائر على أنها انتصارات مؤجلة، أو باعتبار كل اعتراض على قراراتها استهدافاً للقضية التي تدّعي الدفاع عنها.

من نصرالله إلى خامنئي: ماذا تقول الوقائع عن منظومة النفوذ؟

إن الربط بين التحولات التي أصابت حزب الله، وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا، والضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية، يفتح باباً واسعاً لفهم التحديات التي تواجه شبكة النفوذ التي بنتها طهران على امتداد المنطقة.

فحسن نصرالله لم يكن مجرد قائد حزبي، بل كان شخصية مركزية في العلاقة بين إيران وحزب الله وفي معادلات النفوذ الإقليمي. وسوريا لم تكن مجرد ساحة جغرافية، بل شكلت حلقة مهمة في شبكة التحالفات وخطوط الإمداد. أما القيادة الإيرانية، فتمثل مركزاً سياسياً واستراتيجياً لمشروع يتجاوز حدود الدولة الإيرانية.

إن تعرض هذه الركائز لضربات عميقة لا يعني تلقائياً نهاية المشروع الإيراني، لكنه يفرض مراجعة جدية للفرضيات التي قام عليها، ولا سيما الاعتقاد بأن توسيع النفوذ خارج الحدود يوفر بالضرورة حماية للمركز، أو أن تعدد الحلفاء يضمن القدرة على التحكم في مسار الصراع.

وهنا تتجلى أهمية التحليل الذي لا يكتفي بتسجيل الأحداث، بل يسأل عمّا تكشفه من نقاط ضعف واختلالات في الحسابات والقدرات.

فالقوة ليست في عدد الحلفاء وحده، ولا في حجم الترسانة العسكرية فقط، بل في القدرة على حماية المصالح، وإدارة المخاطر، ومنع تحول أدوات النفوذ إلى أعباء استراتيجية، وتجنب جرّ المجتمعات إلى مواجهات لا تملك قرارها الكامل ولا تتحكم في نهاياتها.

إن امتلاك أوراق ضغط متعددة لا يعني بالضرورة القدرة على حمايتها جميعاً عندما تتسع المواجهة. وقد يتحول النفوذ، الذي بُني لتعزيز الردع، إلى مصدر استنزاف إذا ارتفعت كلفة الحفاظ عليه، أو تضررت خطوط الإمداد، أو أصبح الحلفاء أنفسهم بحاجة إلى الحماية، أو تداخلت حساباتهم المحلية مع أولويات المركز الإقليمي.

إلى الأحزاب والمليشيات: لا أحد فوق المساءلة

لعل أكثر ما قد يزعج بعض الأحزاب والجماعات المسلحة المرتبطة بالمشروع الإيراني هو إخضاع خطابها السياسي للمعايير نفسها التي تُخضع لها بقية القوى: ما الأهداف؟ ما النتائج؟ من اتخذ القرار؟ من دفع الثمن؟ وهل كانت المكاسب المتحققة متناسبة مع الخسائر؟

هذه ليست أسئلة عدائية، ولا تستهدف هوية طائفة أو شعب أو تيار سياسي. إنها أسئلة مشروعة عن السلطة والمسؤولية، وعن حق المجتمعات في معرفة حقيقة الخيارات التي تُتخذ باسمها.

ولا يجوز الخلط بين نقد حزب الله أو السياسات الإيرانية أو سلوك أي جماعة مسلحة وبين استهداف جمهورها أو بيئتها الاجتماعية. فالناس ليسوا بالضرورة نسخة واحدة من قياداتهم، والانتماء السياسي أو الطائفي لا يسقط حق الإنسان في الأمن والكرامة والحياة.

لكن في المقابل، لا ينبغي أن تتحول الحساسية الحزبية أو الاعتبارات العقائدية إلى حصانة تمنع النقاش. فالدول ليست ملكاً للأحزاب، والمجتمعات ليست ساحات مفتوحة بلا نهاية لحسابات الآخرين، وقرار الحرب والسلم ليس تفصيلاً يمكن إخفاؤه خلف الشعارات.

إن من حق المواطنين أن يسألوا قياداتهم عن جدوى الخيارات العسكرية، وحدود التصعيد، وحجم المخاطر التي جرى تقديرها قبل اتخاذ القرارات، والنتائج التي تحققت مقارنة بالتكاليف التي تحملتها مجتمعاتهم.

ومن حقهم أيضاً أن يرفضوا تحويل النقد السياسي إلى تهمة جاهزة، أو استخدام القضايا الوطنية والقومية والدينية لمنع مساءلة أصحاب القرار.

فلا توجد قضية عادلة تُصبح أقوى بمنع النقد، ولا مشروع سياسي يكتسب شرعية دائمة لمجرد أنه يرفع شعارات كبرى. بل إن القدرة على مراجعة الأخطاء وتصحيح المسار تمثل شرطاً أساسياً لاستمرار أي مشروع يريد أن يحظى بثقة الناس.

بين القدرة على إيذاء الخصم والقدرة على ردعه

من أبرز الأسئلة التي تثيرها التحولات الإقليمية مسألة الفرق بين امتلاك القوة والقدرة على استخدامها لتحقيق أهداف سياسية مستدامة.

فامتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء قد يرفع كلفة المواجهة على الخصم، لكنه لا يمنع بالضرورة الاختراقات الاستخبارية أو الاغتيالات أو الضربات التي تطال مراكز القيادة. كما أن القدرة على إلحاق الأذى بالخصم لا تعني بالضرورة القدرة على منعه من تحقيق أهدافه.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: النجاح التكتيكي في تنفيذ عملية عسكرية، والنجاح الاستراتيجي في تغيير ميزان القوى، والنجاح السياسي في الوصول إلى نتائج قابلة للاستمرار.

قد يحقق طرف إنجازاً عسكرياً لافتاً، لكنه يعجز عن تحويله إلى مكاسب سياسية. وقد يتعرض طرف آخر لخسائر كبيرة، لكنه يحتفظ بمؤسسات وقدرات تتيح له مواصلة الصراع أو إعادة تنظيم صفوفه.

لذلك، فإن تقييم ما أصاب المحور الإيراني يتطلب قراءة شاملة لا تكتفي بعدد القادة الذين فقدهم أو المواقع التي خسرها، بل تنظر أيضاً إلى قدرته على إعادة بناء مؤسساته، والحفاظ على شبكاته، والتكيف مع المتغيرات، وإدارة علاقاته الإقليمية.

إن الردع ليس صورة إعلامية ولا خطاباً مرتفع النبرة، بل معادلة معقدة تتداخل فيها الاستخبارات والقدرات العسكرية والاقتصاد والتحالفات والقدرة على تقدير ردود فعل الخصوم.

وحين تتعرض هذه المعادلة لاختبارات متتالية، يصبح من الضروري مراجعة الافتراضات التي قامت عليها، بدلاً من الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب نفسه.

هل يكفي تراجع النفوذ الإيراني للحديث عن انتصار استراتيجي نهائي؟

إن القراءة السياسية الرصينة لا تقتضي إنكار الخسائر التي تعرض لها المحور الإيراني، لكنها تقتضي أيضاً عدم تحويل تلك الخسائر إلى استنتاج متسرع بأن مشروعاً إقليمياً كاملاً قد انتهى، أو أن الطرف المقابل حقق بالضرورة انتصاراً استراتيجياً نهائياً.

فالتاريخ السياسي لا يسير دائماً في خط مستقيم، والدول والمؤسسات قد تعيد تنظيم صفوفها، والتحالفات قد تتغير، وموازين القوى قد تنتج ترتيبات جديدة لا يمكن اختزالها في لحظة عسكرية واحدة.

كما أن تراجع نفوذ طرف لا يضمن تلقائياً قيام نظام إقليمي أكثر استقراراً. فقد يؤدي انحسار نفوذ معين إلى تقليص بعض مصادر التهديد، لكنه قد يفتح أيضاً الباب أمام تنافس جديد على النفوذ، أو يخلق فراغات أمنية وسياسية تستثمرها قوى أخرى.

ولا ينبغي، في المقابل، أن يتحول استمرار طرف في المواجهة إلى دليل كافٍ على نجاح استراتيجيته. فالصمود وحده لا يجيب عن السؤال الأهم: ما الذي تحقق، وما الذي فُقد، وما الثمن الذي دُفع، وهل تقرّب النتائج أصحاب القرار من أهدافهم أم أبعدتهم عنها؟

هذه الأسئلة تجعل النقاش الذي تفتحه مهنا أبعد من مجرد تسجيل الخسائر أو الاحتفاء بها؛ إنه نقاش حول طبيعة القوة وحدودها، والفرق بين إلحاق الضرر بالخصم وبناء واقع سياسي قابل للاستمرار.

شجاعة السؤال في زمن الاصطفاف

لعل القيمة الفكرية الأبرز في كتابات سوسن مهنا تكمن في مساءلة القرارات السياسية من دون الوقوع في أسر التقديس أو التخوين.

فالقيادات، مهما امتلكت من رمزية، ليست فوق النقد، والمشاريع التي ترفع شعارات كبرى لا تُعفى من المحاسبة على نتائج خياراتها. ومن حق المجتمعات التي تتحمل كلفة الحروب أن تسأل: هل كانت الأهداف واضحة؟ هل جرى تقدير المخاطر بصورة واقعية؟ هل امتلك أصحاب القرار تصوراً لما قد يحدث إذا اتسعت المواجهة؟ وهل تتناسب النتائج مع التضحيات التي دُفعت في سبيلها؟

هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من التضحيات الإنسانية، ولا إنكاراً لحق الشعوب في الدفاع عن نفسها، بل هي جزء من احترام تلك التضحيات، لأن أقل ما تستحقه هو ألا تتحول إلى مادة لتبرير القرارات بعد وقوع نتائجها.

ومن هنا، فإن القراءة النقدية التي تفتحها مهنا تكتسب أهميتها من نقل النقاش من مستوى الولاء للشعارات إلى مستوى المسؤولية عن الخيارات، ومن الاحتفاء بالفعل العسكري إلى تقييم أثره السياسي والإنساني.

فالضحايا لا ينبغي أن يصبحوا مجرد أرقام في سجالات الأحزاب، والدمار لا ينبغي أن يتحول إلى تفصيل ثانوي في خطابات الانتصار، ومعاناة المجتمعات لا يجوز أن تُختزل في حسابات النفوذ الإقليمي.

إن احترام التضحيات يقتضي قول الحقيقة بشأن نتائج القرارات التي سبقتها، لا إعفاء تلك القرارات من المساءلة.

الإعلام المسؤول لا يلمّع المحاور بل يكشف الوقائع

 

إن إعادة «النشرة الدولية» نشر مقال سوسن مهنا تتيح لهذه القراءة أن تصل إلى جمهور أوسع، وتساهم في نقاش عربي يحتاج إلى مزيد من التحليل المستقل، بعيداً عن التخوين والتقديس والتبرير المسبق.

فالإعلام الذي يكتفي بترديد الروايات المتقابلة يترك القارئ أسير الاستقطاب، أما الإعلام الذي يفتح المجال للتحليل والنقد، فيمنحه فرصة لفهم ما وراء الحدث، ومقارنة الادعاءات بالوقائع، والتمييز بين المعلومة والتفسير والموقف السياسي.

إن الصحافة ليست مطالبة بتوفير الراحة الدائمة لأصحاب النفوذ، ولا بأن تكون صدى لخطاب الأحزاب أو الجماعات المسلحة. وظيفتها أن تطرح الأسئلة، وتفحص الادعاءات، وتكشف التناقضات، وتتيح للقارئ أن يكوّن رأيه على أساس المعرفة لا التعبئة.

وفي منطقة تتنافس فيها المحاور على النفوذ، وتتشابك فيها المصالح بالسلاح، تصبح الحاجة إلى الأقلام المستقلة أكثر إلحاحاً. فالمطلوب ليس استبدال رواية دعائية بأخرى، ولا الانتقال من تقديس طرف إلى تبرئة طرف آخر، بل إخضاع الجميع لمعيار واحد: الوقائع، والنتائج، والمسؤولية.

ومن المهم هنا أن يبقى النقد موجهاً إلى السياسات والقرارات والقيادات والمؤسسات، لا إلى الشعوب أو الطوائف. فالحقيقة لا تحتاج إلى تعميمات ظالمة حتى تكون قوية، والنقد لا يفقد جرأته عندما يكون منصفاً ودقيقاً.

تحية لقلم يفتح النوافذ ولا يكتفي بترديد الروايات

تستحق سوسن مهنا الإشادة بطرحها الأسئلة الاستراتيجية والسياسية التي تكشفها التحولات الإقليمية، وبمحاولتها إعادة النقاش إلى قضايا جوهرية تتعلق بالردع، وكلفة الخيارات العسكرية، وحدود النفوذ، ومسؤولية القيادة عن نتائج قراراتها.

إن قيمة كتابتها لا تكمن في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، بل في الإسهام في فتح ملفات حساسة، وتقديم قراءة تدفع الجمهور إلى إعادة التفكير في روايات اعتاد سماعها، وفي مسلمات قد لا تصمد أمام اختبار الوقائع.

فالتحليل السياسي الجاد يظل قابلاً للنقد والمراجعة، لكن الجرأة في تناول الأسئلة الصعبة تظل قيمة تستحق التقدير، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس أمن الدول ومصائر الشعوب ومستقبل المنطقة.

تحية لسوسن مهنا على قلم يضع الوقائع في مواجهة الشعارات، ويذكّر بأن النفوذ ليس عصمة، والسلاح ليس ضمانة مطلقة، والقيادة ليست فوق المحاسبة. وتحية لكل من يؤمن بأن الصحافة الحقيقية لا تتمثل في تلميع صورة هذا المحور أو ذاك، بل في إضاءة المشهد أمام الناس، كي يروا ما وراء الخطاب، ويفهموا كلفة القرارات، ويحتفظوا بحقهم في السؤال.

وفي الوقت نفسه، فإن الإشادة بالكتابة النقدية لا تعني التسليم بكل استنتاجاتها، بل تعني الدفاع عن حقها في إثارة الأسئلة، وعن حق القارئ في مناقشتها، وعن ضرورة إبقاء الوقائع مفتوحة أمام البحث والتحقق.

ففي منطقتنا، لا تنقصنا الشعارات الكبرى ولا الروايات المتنافسة؛ ما نحتاج إليه أكثر هو الشجاعة في مراجعتها، والإنصاف في اختبارها، والصدق في مواجهة نتائجها.

إن الأمم لا تتعلم من أحداثها بمجرد وقوعها، بل تبدأ بالتعلم عندما تملك شجاعة قراءتها، ونقد قراراتها، ومساءلة قياداتها، واستخلاص الدروس من أخطائها.

وحين تزعج الحقيقة أصحاب المصالح، لا تصبح الحقيقة أقل أهمية؛ بل تصبح الحاجة إلى مناقشتها أكثر إلحاحاً.

وحين يختار قلم صحفي أن يضيء المناطق المعتمة في المشهد السياسي، فإن قيمة هذا القلم لا تُقاس بمدى رضا أصحاب النفوذ عنه، بل بقدرته على توسيع مساحة التفكير، وإثراء النقاش، وتذكير الجميع بأن لا حزب فوق المساءلة، ولا محور فوق النقد، ولا شعار يمكن أن يحل محل الحقيقة.

هذه هي الصحافة التي تحتاج إليها المنطقة: صحافة لا تصنع أصناماً سياسية، ولا تبرر الأخطاء باسم القضايا الكبرى، بل تضع الجميع أمام مرآة الوقائع، وتترك للقارئ حق الرؤية والحكم والتساؤل.

زر الذهاب إلى الأعلى