غوتيريش يدعو الى إخضاع القوة للقانون الدولي كأساس السلام.. ويحذر من تواصل انتهاكاته

الأمم المتحدة – أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن العالم يواجه خمسة اختبارات حاسمة تتعلق بالسلام والكرامة الإنسانية والعدالة والمناخ والحوكمة التكنولوجية، مشددا على أن التحدي الأساسي يتمثل في إخضاع القوة للقانون، والسلطة للصالح العام، في ظل تزايد النزاعات وانتهاكات القانون الدولي واتساع أوجه عدم المساواة.
وقال غوتيريش، في خطاب ألقاه اليوم الجمعة في جامعة سالامانكا الإسبانية، بمناسبة منحه الدكتوراه الفخرية، إن التعددية الدولية تواجه اختبارات مصيرية، في وقت تتراجع فيه القواعد التي تأسس عليها النظام الدولي، ويتزايد فيه اللجوء غير المشروع إلى استخدام القوة، وإعادة رسم الحدود بالقوة العسكرية، فضلا عن تعامل بعض الدول مع القانون الدولي بصورة انتقائية.
وأشار إلى أن المدنيين هم أول ضحايا النزاعات، من أوكرانيا والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل، إلى غزة واليمن، حيث يواجه الأطفال والأسر آثار الحروب، بما في ذلك الدمار والنزوح وانهيار المستشفيات، محذرا من أن الإفلات من العقاب يشجع على ارتكاب مزيد من الانتهاكات.
وشدد على أن ميثاق الأمم المتحدة يضع قاعدة واحدة لجميع الدول، تقوم على احترام السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة، مؤكدا أن الحياد لا يمكن أن يعني الصمت إزاء انتهاكات الميثاق. ودعا إلى التعامل مع السلام باعتباره عملية متكاملة تشمل منع النزاعات عبر الدبلوماسية والوساطة ونزع السلاح، وحماية المدنيين أثناء الحروب، وضمان الحلول السياسية الشاملة والمساءلة بعد انتهائها.
وفي هذا السياق، جدد دعوته إلى إصلاح مجلس الأمن، معتبرا أن تشكيلته الحالية لا تزال تعكس واقع عام 1945، حين كانت معظم الدول الأفريقية خاضعة للاستعمار، وأن استمرار غياب مقعد دائم واحد لأفريقيا يمثل ظلما تاريخيا يتعين تصحيحه.
وفيما يتعلق بحقوق الإنسان، حذر غوتيريش من تراجع الحريات واستهداف الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان وإسكات المعارضين، مشيرا إلى أن هذا التراجع يبدأ في كثير من الأحيان بخطاب الكراهية الذي يحول الجار إلى عدو، وتضاعف وسائل التواصل الاجتماعي والمعلومات المضللة من انتشاره.
وأكد أن معاداة السامية والتعصب ضد المسلمين واضطهاد المسيحيين والأقليات الأخرى لا تزال تمثل تحديات مقلقة، مشددا على أن الاعتراف بحقوق الآخرين لا يتطلب مشاركة معتقداتهم الدينية. كما دعا إلى حماية اللاجئين والمهاجرين وضمان حقوقهم الأساسية، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتوفير مسارات آمنة ومنتظمة للهجرة.
ولفت إلى أن النساء والفتيات لا يزلن يواجهن انتهاكات واسعة للكرامة والحقوق، تشمل الحرمان من التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة، واستخدام العنف الجنسي سلاحا في النزاعات، مؤكدا أنه لا يمكن تحقيق سلام دائم أو ازدهار مشترك دون ضمان حقوق المرأة ومشاركتها الكاملة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، حذر الأمين العام من اتساع الفجوة بين الدول، في وقت تسجل فيه النفقات العسكرية مستويات قياسية، بينما يتراجع التمويل الإنساني والإنمائي، وتعاني دول نامية كثيرة من أعباء ديون تحول دون تخصيص موارد كافية للصحة والتعليم.
ودعا إلى تنفيذ التزامات إشبيلية التي تم إقرارها العام الماضي في إسبانيا، بما يشمل تخفيف أعباء الديون بصورة أسرع وأكثر إنصافا، وتعزيز بنوك التنمية متعددة الأطراف، وإصلاح الهيكل المالي العالمي، بما يضمن للدول النامية صوتا وتأثيرا أكبر في صنع القرارات الاقتصادية الدولية.
وفي ملف المناخ، وصف غوتيريش الأزمة المناخية بأنها شكل من أشكال الظلم بين الدول والأجيال، إذ تتحمل البلدان الأقل مساهمة في الانبعاثات الجزء الأكبر من آثارها، فيما تدفع الأجيال المقبلة ثمن الانبعاثات الحالية.
ودعا الحكومات إلى تسريع خفض الانبعاثات، والحد من غاز الميثان، ووقف إزالة الغابات، وتقديم خطط موثوقة للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري ضمن جداول زمنية محددة، مع ضمان حماية العمال والمجتمعات المتأثرة. كما طالب بمضاعفة تمويل التكيف مع تغير المناخ ثلاث مرات، وتوفير الموارد الكافية لصندوق الاستجابة للخسائر والأضرار، وضمان استفادة جميع سكان العالم من أنظمة الإنذار المبكر بحلول عام 2027.
وفيما يتعلق بالتطور التكنولوجي، حذر من تركز القوة الرقمية والبيانات والقدرات الحاسوبية والخوارزميات في أيدي عدد محدود من الشركات والدول، داعيا إلى وضع قواعد دولية مشتركة تضمن الشفافية والمساءلة والرقابة المستقلة على استخدام الذكاء الاصطناعي.
وشدد على ضرورة حماية الأطفال من المخاطر الرقمية، مؤكدا أن مصالحهم يجب أن تتقدم على الاعتبارات التجارية، وأنه لا ينبغي لأي آلة أن تقرر ما إذا كان الإنسان سيعيش أو يموت، داعيا إلى حظر الأسلحة ذاتية التشغيل الفتاكة التي تعمل دون سيطرة بشرية.
وأكد غوتيريش أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب، لكن تعدد الأقطاب وحده لا يضمن السلام، بل يتطلب قيام شبكة دولية مترابطة تستند إلى القانون الدولي ومؤسسات تتيح لجميع الدول المشاركة في صنع القرار.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة تعمل على تطوير مؤسساتها من خلال ميثاق المستقبل ومبادرة الأمم المتحدة 80، لكنه شدد على أن الإصلاح المؤسسي لن يكون مستداما دون تجديد الالتزام بالعقلانية ومواجهة الأكاذيب والكراهية ومنطق القوة.
وفي ختام خطابه، الذي يأتي قبل أقل من شهرين على انتهاء ولايته، قال غوتيريش إنه أمضى عشرين عاما في خدمة الأمم المتحدة، أولا مفوضا ساميا لشؤون اللاجئين ثم أمينا عاما، مؤكدا أن تجاربه مع ضحايا الحروب واللاجئين والمجتمعات المهددة بتغير المناخ رسخت لديه أن الكرامة الإنسانية لها وجه واسم.
واختتم بالتأكيد أن انتهاء الولايات والمناصب لا يعني انتهاء النضال من أجل السلام والكرامة والعدالة، وأن الدفاع عن هذه المبادئ سيستمر بعد مغادرته منصبه.