عقوبات أسترالية تفتح ملف تحالف الجيش السوداني والإسلاميين

تفتح العقوبات التي فرضتها أستراليا على قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وكتيبة البراء بن مالك، المرتبطة بالحركة الإسلامية، باباً جديداً للجدل بشأن طبيعة التحالفات داخل المعسكر الذي تقوده سلطة بورتسودان، ومدى استقلال المؤسسة العسكرية عن التشكيلات المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية التي تقاتل إلى جانبها. وتكتسب الخطوة أهميتها من جمعها بين قيادة الجيش وتشكيل مسلح متحالف معها، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية على طرفي الحرب، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

وأعلنت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ، الخميس، فرض عقوبات مالية موجهة وحظر سفر على أربعة سودانيين، هم البرهان وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى جانب القياديين في الدعم السريع التجاني الطاهر كرشوم وحسين برشم، فضلاً عن فرض عقوبات مالية على كتيبة البراء بن مالك.

وقالت الحكومة الأسترالية إن الإجراءات تأتي رداً على استمرار الحرب والكارثة الإنسانية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها طرفا الصراع، بما يشمل استهداف المدنيين والتعذيب والعنف الجنسي والقتل خارج نطاق القضاء. ووفقاً للوثائق الرسمية، فإن العقوبات المالية تستهدف تجميد الأصول الخاضعة للولاية الأسترالية ومنع إتاحتها للأشخاص والكيانات المدرجة، فيما يمنع حظر السفر الأفراد الأربعة من دخول أستراليا أو البقاء فيها.

◄ لا تكفي العقوبات وحدها لدفع الأطراف إلى وقف القتال، ما لم تقترن بمسار سياسي واضح وآليات فعالة لمراقبة تدفق الأموال والسلاح
غير أن إدراج كتيبة البراء بن مالك يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب العقابي، بالنظر إلى ارتباطها بشبكات الحركة الإسلامية السودانية، التي احتفظت بنفوذ داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير. وقد برزت الكتيبة بصورة أكبر مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، عندما انخرطت في القتال إلى جانب الجيش، مقدمة نفسها باعتبارها قوة مساندة في مواجهة قوات الدعم السريع.

وتثير طبيعة هذا التشكيل تساؤلات بشأن حدود العلاقة بين الجيش والحركة الإسلامية، خصوصاً أن الكتيبة لا تمثل مجرد مجموعة من المتطوعين، وإنما ترتبط بشبكات سياسية وتنظيمية ذات امتدادات تعود إلى النظام السابق. ويرى مراقبون أن مشاركة هذه التشكيلات في العمليات العسكرية تمنح الحركة الإسلامية فرصة لاستعادة حضورها في المشهد السوداني، مستفيدة من حالة الحرب وتراجع فرص الانتقال إلى حكم مدني.

ولا يعني ذلك أن المؤسسة العسكرية أصبحت امتداداً تنظيمياً للحركة الإسلامية، أو أن جميع مكونات الجيش تخضع لتوجهاتها، لكن تنامي دور المجموعات المسلحة المتحالفة معه يضع قيادة البرهان أمام أسئلة بشأن طبيعة العلاقة بين المؤسسة النظامية والقوى التي تقاتل إلى جانبها، ومدى قدرتها على إخضاع هذه التشكيلات لقيادة موحدة.

وتأتي الخطوة الأسترالية في سياق اهتمام غربي متزايد بدور الحركة الإسلامية في الحرب السودانية. ففي مارس 2026، أعلنت الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية، وحدثت إدراج كتيبة البراء بن مالك ضمن قوائمها المرتبطة بمكافحة الإرهاب، متهمة الحركة ومجموعات تابعة لها باستخدام العنف ضد المدنيين وعرقلة جهود إنهاء الحرب. وهي اتهامات أميركية ينبغي التمييز بينها وبين الأساس القانوني للعقوبات الأسترالية، التي استندت إلى معايير الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

◄ إدراج كتيبة البراء بن مالك يحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب العقابي، بالنظر إلى ارتباطها بشبكات الحركة الإسلامية السودانية
كما أن التحرك الأسترالي ليس الأول من نوعه الذي يستهدف قيادتي طرفي الحرب. فقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على حميدتي في يناير 2025، ثم أدرجت البرهان على قوائم العقوبات في الشهر نفسه، بينما اتخذ الاتحاد الأوروبي وبريطانيا إجراءات مماثلة بحق شخصيات مرتبطة بالجيش والدعم السريع. ويعكس ذلك اتجاهاً دولياً نحو توسيع دائرة المساءلة لتشمل القيادات العسكرية والسياسية والشبكات التي تسهم في استمرار القتال.

لكن وضع البرهان وحميدتي في قائمة العقوبات الأسترالية نفسها لا يعني تطابق المسؤوليات أو طبيعة الاتهامات الموجهة إليهما، بقدر ما يعكس موقفاً يعتبر أن استمرار الحرب والانتهاكات المرتبطة بها يستوجبان مساءلة قيادات الطرفين، بدلاً من تحميل أحدهما وحده مسؤولية الأزمة.

وتواجه حكومة الجيش، في هذا السياق، تحدياً إضافياً يتعلق بمحاولاتها تقديم نفسها باعتبارها ممثلة للدولة ومؤسساتها النظامية في مواجهة قوات الدعم السريع. فإدراج كتيبة متحالفة مع الجيش يسلط الضوء على تعقيدات المعسكر الذي يقوده البرهان، ويعيد طرح مسألة الفصل بين المؤسسة العسكرية والتشكيلات ذات الارتباطات السياسية والأيديولوجية.

ولا تقتصر تداعيات هذه التطورات على الصورة الخارجية للسلطة السودانية، إذ يمكن أن تؤثر الضغوط المتزايدة على علاقاتها الدولية وعلى فرص حصولها على دعم سياسي واقتصادي، خصوصاً إذا اتسعت الإجراءات لتشمل شخصيات أو شبكات أخرى مرتبطة بالحركة الإسلامية.

ومع ذلك، لا تكفي العقوبات وحدها لإحداث تحول في موازين الحرب أو دفع الأطراف إلى وقف القتال، ما لم تقترن بمسار سياسي واضح وآليات فعالة لمراقبة تدفق الأموال والسلاح ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وبينما تشمل الإجراءات الأسترالية قيادتي الجيش والدعم السريع، فإن إدراج كتيبة البراء بن مالك يضيف بعداً آخر إلى الأزمة، يتمثل في أن مستقبل التسوية السودانية لن يرتبط فقط بإنهاء المواجهة بين القوتين العسكريتين، بل أيضاً بمصير التشكيلات المسلحة والشبكات السياسية التي تعزز استمرار الصراع.

زر الذهاب إلى الأعلى