النشرة الدولية – د. أماني الشوبكي –

تلبدت السماء بالغيوم، وأخذت الريح تنشط بشكل ملحوظ، ويضيء البرق الفضاء ومن ثم يدوي صوت الرعد ايذاناً ببدء هطول المطر.

تستقبل الأرض حبات المطر، وتبدأ «السيول» تخترق الشوارع، ويقل عدد المشاة فوق الأرصفة، فمنهم من يحتمي تحت مظلات بلاستيكية، ومنهم من يضطر الدخول الى المحال التجارية، فهو يوم شتوي بإمتياز.

وفي المكان والزمان، وتحديداً بالشارع المتفرع من الدوار الثالث باتجاه وسط المدينة، وحيث يشتد هطول المطر، يلفت الانتباه أحدهم يجلس تحت مظلة بدائية الصنع، ويفرش مجموعة من النثريات والخردوات يبتاعها لكي يؤمن له مصروف «العيش» اليومي».

لا يأبه باشتداد هطول المطر ولا سرعة الرياح، بل يجلس بكل شموخ لكي يواصل برنامج عمله اليومي كالمعتاد، ما يدفع وبطابع الفضول الى التوقف عنده والتحدث معه، وطبعاً بداعي شراء احدى النثريات التي يفرشها على طاولة خشبية أمامه، وتتفاجاً بأنه ضرير، ومع ذلك يعرف ما هي القطعة المراد بيعها، وذلك من خلال لمسها بيده، كما يقدر وبكفاءة عالية قيمة المبلغ الذي دفعته ويعيد «الباقي» وبنفس الطريقة.

يأسرك ذلك المشهد المليئ بالعزيمة وعزة النفس، فهو لم يلجأ الى التسول أو طلب المساعدة، رغم انه ضرير، وأعتمد على نفسه مردداً بكلمات واثقة: وهبني الله الكثير من النعم التي تؤهلني للاعتماد على نفسي، وتامين مصروفي اليومي دون الحاجة لأي مساعدة من أحد.

تمضي الأيام والشهور، وأعود الى نفس الشارع وبعفوية التفت الى نفس المكان لكنني لم أشاهد ذلك الشاب الضرير، المشع بالاعتزاز والفخر وعزة النفس ولا مظلته «البسيطة»، ومرة جديدة يدفعني الفضول للدخول الى «بقالة» صغيرة قريبة من المكان، وبسؤالي عن الشاب رد البائع: لقد توفي منذ نحو شهرين، فهو كان يعاني من ارتفاع كبير بسكر الدم، ونحن في هده المنطقة نفتقده كثيراً ونفتقد عزيمته وارادته ورحه الحلوة، وكان يمنحنا الأمل والقوة بفضل ما يتمتع به من ثقة ومصالحة مع النفس.

رحل ذلك الشاب العصامي، وترك الكثير من البصمات المضيئة، والتي تعد بمثابة الدافع والنموذج المتميز للشباب الذين يتذرعون بعدم توفر فرص العمل، وهم يتمتعون بكل النعم التي وهبها الله لهم.

يحتاج العمل الى الارادة والدافعية والعزيمة، وما العيب الا بثقافة العيب فقط، ولا أعذار لمن يفترشون المقاهين وأماكن التسلية والترفيه طيلة اليوم، دون إنجاز أو عمل أو هدف، ولهم في قصة بائع النثريات والخردوات القدوة في الاعتماد على النفس، وتأمين احتياجاتهم دون مساعدة أو عبء على أهاليهم.. فهل وصلت الرسالة؟

عن الرأي الأردنية

زر الذهاب إلى الأعلى