ميريل ستريب والصحافة الورقية
بقلم: رنا حداد

النشرة الدولية –
مع انطلاق عرض الجزء الثاني من The Devil Wears Prada، يعود اسم ميريل ستريب إلى الواجهة، لا كمجرد نجمة سينمائية، بل كرمز يفرض حضوره سؤال أكبر: ماذا تبقّى من هيبة الصحافة الورقية في وقت تُدار فيه الأخبار وتمرر على الشاشات؟
الفيلم، في ظاهره، امتداد لنجاح الجزء الأول The Devil Wears Prada، لكنه في عمقه يبدو كأنه يكتب مرثية هادئة لعالمٍ لم يعد كما كان. ليس لأن الورق اختفى، بل لأنه لم يعد مركز الحكاية. هناك، في الخلفية، تتراجع المكاتب الصاخبة، تختفي رائحة الحبر، وتبهت تلك الفوضى الجميلة التي كانت تُنتج المعنى قبل أن تُنتج «الترند».
ميريل لا تعود فقط بشخصية «ميراندا بريستلي»، بل تعود بثقل الزمن نفسه. أداؤها هنا أقل صخبًا، وأكثر وعيًا بما تغيّر. لم تعد الصرامة وحدها هي ما يعرّف الشخصية، بل شيء من التأمل البارد، كأنها تدرك أن السلطة التي كانت مطلقة يومًا، أصبحت الآن قابلة للتفاوض أو حتى للتجاهل.
في هذا الجزء، لا يبدو التحدي بين الأجيال مجرد صراع تقليدي بين قديم وجديد، بل مواجهة غير متكافئة بين زمنين: زمن كان ينتظر الكلمة، وزمن يسبقها. بين صحافة كانت تُكتب لتُقرأ، وأخرى تُنتج لتُمرّر. وهنا تحديدًا، يطرح الفيلم سؤاله الأذكى دون أن ينطقه: هل تغيّر الجمهور، أم أن الصحافة هي التي تنازلت عن شروطها؟
اللافت أن العمل لا يقع في فخ النوستالجيا الساذجة. لا أحد هنا يبكي على الأطلال، ولا أحد يدّعي أن الماضي كان مثاليًا. على العكس، هناك اعتراف ضمني بأن الصحافة الورقية كانت، هي الأخرى، جزءًا من منظومة سلطة ونخبوية. لكنها، رغم ذلك، كانت تمتلك ما يشبه الثقل؛ ذلك الشعور بأن ما يُكتب يستحق أن يُحتفظ به، لا أن يُستهلك ويُنسى.
بصريًا، لا يزال الفيلم وفيًا لعالمه: أزياء دقيقة، تفاصيل مدروسة، إيقاع سريع. لكن المفارقة أن هذا البريق نفسه يُستخدم هذه المرة كخلفية لطرح أكثر هدوءًا، وأكثر قلقًا. كأن اللمعان لم يعد هو الموضوع، بل القشرة التي تخفي تحته سؤالًا وجوديًا عن المهنة نفسها.
ما ينجح فيه الفيلم، بعيدًا عن قصته، هو هذا الإحساس المتسلل بأن بعض القيم لا تموت، بل تنزوي مؤقتًا. وأن الصحافة، في جوهرها، ليست وسيطًا بقدر ما هي موقف. الورق كان شكلًا من أشكالها، وربما لم يعد الشكل الأقوى، لكنه بالتأكيد لم يكن مجرد تفصيل عابر، ويمكن جدًا أن يبقى.
ومثلما تفعل ميريل ستريب دائمًا، لا تقدّم أداءً يُشاهد فقط، بل يُفهم. حركة بسيطة، نظرة محسوبة، صمت أطول من اللازم كلها أدوات تُعيد تعريف الشخصية، وتمنحها بعدًا يتجاوز السيناريو نفسه. هي لا تدافع عن الماضي، لكنها ترفض أن يُختصر بهذه البساطة.
قوة الفيلم. في أن الأسئلة التي يطرحها لا تخص الصحافة وحدها، بل تمتد إلى كل ما نعتقد أنه ثابت. إلى فكرة القيمة نفسها: هل تُقاس بالسرعة؟ بالانتشار؟ أم بشيء آخر لا يمكن قياسه بسهولة؟
«الورق»، المجلة.. هنا ليس مادة، بل استعارة. وميريل ليست مجرد ممثلة، بل شاهد على تحوّلٍ لا يزال يحدث. وبين الاثنين، يقف الفيلم كمساحة تفكير أكثر منه مساحة عرض. لا يقول إن الماضي أفضل، ولا إن الحاضر أسوأ، بل يكتفي بتذكيرنا بأن ما كان عميقًا، لا يمكن أن يصبح سطحيًا فجأة، حتى لو بدا ذلك.

