سيناريوهات ما بعد الحرب في الخليج
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –

سأبدأ في هذا المقال من فرضية ممكنة، وهي “إذا انتهت الحرب في الخليج بنهاية مفتوحة لا يخرج منها طرف منتصرًا بشكل حاسم ولا طرف مهزومًا بشكل كامل”، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا ليس من ربح الحرب، بل كيف سيتشكل الإقليم بعدها؟ وكيف ستُعاد صياغة التوازنات في المنطقة؟

في مثل هذا النوع من الحروب، لا تكون لحظة وقف إطلاق النار هي النهاية الحقيقية، بل هي البداية لمرحلة جديدة أكثر تعقيدًا. فالتاريخ في هذه المنطقة لا يُغلق ملفات الحروب بسرعة، بل يتركها مفتوحة على إعادة تعريف الردع، وإعادة توزيع النفوذ.

ستخرج جميع الأطراف من هذه الحرب بروايات مختلفة. إيران ستقدم نفسها كقوة صمدت أمام ضغط عسكري وسياسي كبيرين، ودول الخليج ستؤكد أنها نجت من تهديد مباشر غير مسبوق لأمنها، وحافظت على استقرارها الداخلي، ومنعت تمدد المواجهة إلى عمقها الاستراتيجي. أما الولايات المتحدة، فستسعى إلى تثبيت رواية أنها منعت الانفلات وأعادت ضبط ميزان الردع في الإقليم. لكن خلف هذه التقييمات ستكون الحقيقة أكثر قسوة وواقعية، حقيقة أن الجميع خرج مثقلًا بتكلفة الحرب، والجميع اكتشف حدود القوة لديه، وحدود قدرة الآخرين على الحسم. وهذه وحدها كفيلة بإعادة تشكيل الإقليم حتى من دون تغييرات رسمية في الخرائط أو التحالفات.

أما إيران، فهي في حالة غامضة وملتبسة. فهي من جهة تحتاج إلى تثبيت خطاب الصمود والانتصار المعنوي داخليًا، ومن جهة أخرى تواجه ضغطًا اقتصاديًا واجتماعيًا لا يمكن تجاهله. العقوبات، وكلفة المواجهة، واستنزاف الموارد، كلها عوامل تدفع باتجاه إعادة التفكير في هامش الحركة الإقليمي. وهذا قد يفتح الباب أمام سلوك أكثر براغماتية، لا يقوم على تغيير في الأيديولوجيا بقدر ما يقوم على إعادة ضبط في الأولويات، والانتقال من منطق الاندفاع المفتوح إلى منطق إدارة النفوذ ضمن حدود أكثر واقعية.

وفي المقابل، ستكون دول الخليج أمام لحظة إدراك تاريخية، وهي أن الاعتماد الكامل على الحماية الخارجية لم يعد كافيًا لضمان الأمن. وهذه الحقيقة لا تعني القطيعة مع التحالفات الدولية بل إعادة تقييمها. لذلك أتوقع أن نرى تسارعًا في بناء القدرات الذاتية لديها كمجموعة أو كل دولة على حدة، سواء في الدفاع أو التكنولوجيا أو الأمن السيبراني، إلى جانب تنويع أوسع في الشراكات الدولية، بحيث يصبح الأمن الخليجي أكثر تركيبًا وأقل اعتمادًا على طرف واحد. وبالتالي، فإن الخليج بعد الحرب لن يكون امتدادًا لما قبله، بل مساحة أكثر استقلالًا في القرار، وأكثر حذرًا في إدارة المخاطر، وأكثر وعيًا بأن الاستقرار لا يعتمد على عنصر واحد بل يحتاج إلى أدوات متعددة.

أما العلاقة بين إيران ودول الخليج، وهو الموضوع الحيوي والشائك، فمن غير الواقعي تصور انتقالها إلى مصالحة كاملة أو قطيعة دائمة. فالمرجح هو فتح قنوات اتصال بأطر محددة، وتفاهمات أمنية جزئية، ومحاولات دائمة لاحتواء التوتر قبل انفجاره. فالجميع يدرك أن البديل عن هذا النمط ليس الاستقرار، بل توتر دائم لا يصب في مصلحة أحد.

وفي خلفية هذا المشهد، ستكون إسرائيل حاضرة بشكل أو بآخر. فمصلحتها الاستراتيجية هي إضعاف إيران في المرحلة الأولى، وبعد ذلك السعي للهيمنة على الخليج وأمنه واقتصاده. وستكون مثل هذه المرحلة هي المسرح الذي يتم عليه إعادة تشكيل الشرق الأوسط الذي يسميه نتنياهو “الشرق الأوسط الجديد”.

أما العرب خارج الخليج، فسيبقون أمام سؤال قديم جديد… هل هم جزء فاعل في صناعة الإقليم أم مجرد ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين؟ فالمشكلة لم تكن يومًا في الموارد أو الجغرافيا، بل في غياب المشروع السياسي القادر على تحويل الوزن إلى تأثير، والموقع إلى دور.

وفي المحصلة، فإن ما بعد الحرب في الخليج لن يكون عودة إلى ما قبلها، بل دخولًا في إقليم جديد يتشكل بهدوء، لكن بعمق. إقليم أكثر حذرًا، وأشد واقعية، تتراجع فيه لغة الشعارات، وتتصدر فيه لغة المصالح وإدارة التوازنات الدقيقة

زر الذهاب إلى الأعلى