زينة دبوس.. سيدة اللون التي جعلت من الفن رحلة إلى الخلود

النشرة الدولية –
عندما يصبح الفن أكثر من لوحة، ويتحول إلى ذاكرة وهوية ورسالة، يصبح الفنان أمام مسؤولية لا تشبه أي مسؤولية أخرى؛ أن يترك أثراً يتجاوز حدود القماش، وأن يحوّل تجربته إلى جسر يعبر به الآخرون نحو الحلم. هكذا تبدو تجربة الفنانة التشكيلية اللبنانية–الكندية زينة دبوس، التي اختارت أن تجعل من الفن رحلة مفتوحة على العالم، ومن الكويت محطة مضيئة في مسيرتها، ومن التعليم امتداداً طبيعياً لإبداعها.
من بيروت إلى كندا، ومن الكويت إلى العواصم الفنية العالمية، كتبت زينة دبوس تجربتها بلغة لا تعترف بالحدود ولا تستسلم لقالب واحد.
واليوم، وهي تتولى رئاسة قسم الفنون في أكاديمية لوياك للفنون الأدائية «لابا»، تقف في مساحة استثنائية تجمع فيها بين الفنانة التي لا تتوقف عن البحث، والمعلمة التي تؤمن بأن أجمل ما يمكن أن يتركه الفنان هو المعرفة التي يمنحها للآخرين.
فنانة لا تعرف السكون
في تجربة زينة دبوس، لا تبدو اللوحة نهاية الرحلة، بل بدايتها. فهي لا تؤمن بأن الفنان يجب أن يظل أسيراً لأسلوب أو تقنية واحدة، بل ترى أن التجدد هو جوهر الإبداع، وأن التجربة الفنية الحقيقية تظل في حالة بحث دائم.
تنقلت في أعمالها بين الرسم والتصوير والوسائط المتعددة والجداريات، وجمعت بين التجريد المفاهيمي والبورتريه الواقعي التجريدي، فيما ظلت موضوعات الهوية والذاكرة والصمود والمرأة حاضرة في عالمها البصري.
وتقول: «أؤمن بأن الفنان لا ينبغي أن يتوقف عند أسلوب أو تقنية محددة، لأن الفن في جوهره رحلة مستمرة من البحث والتجريب والتطور».
ولعل هذه الفلسفة هي التي منحت تجربتها ذلك التنوع اللافت؛ فهي لا تبحث عن تكرار نجاح سابق، بقدر ما تبحث عن سؤال جديد، ومساحة جديدة، وإحساس جديد يمكن أن يتحول إلى عمل فني.
امرأة تحمل ثقافات متعددة
تحمل دبوس في تجربتها الفنية مزيجاً من ثقافات متعددة، وهو ما انعكس على رؤيتها وعلى الموضوعات التي تختارها. فالهويّة عندها ليست مفهوماً جامداً، والذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، والمرأة ليست موضوعاً عابراً، بل عالم مفتوح على قراءات لا تنتهي.
في أعمالها، تتقاطع التجربة الشخصية مع الأسئلة الإنسانية الكبرى، وتصبح الألوان أحياناً لغة أخرى للذاكرة، فيما تتحول الوجوه والأجساد والأشكال إلى مساحات للتأمل في الزمن والإنسان والصمود.
الكويت.. من محطة إلى وطن فني
وفي قلب هذه الرحلة، تقف الكويت بمكانة خاصة.
فهي بالنسبة إلى زينة دبوس ليست مجرد محطة مهنية أو جغرافية، وإنما جزء من تكوينها الفني والإنساني. في الكويت أنجزت أعمالاً ومشروعات فنية متعددة، من بينها جداريات في مواقع مختلفة، ومشاركة في مشروع فني جداري بالتعاون مع السفارة الأميركية، إلى جانب عرض أعمالها في متحف الكويت للفن الحديث.
لكن علاقتها بالكويت تتجاوز الأعمال والمعارض؛ فقد تحولت إلى علاقة متبادلة، أخذت منها الكثير وقدمت لها في المقابل خبرتها وتجربتها وشغفها بالفن.
ومن هنا تكتسب رئاستها لقسم الفنون في «لابا» معنى أعمق من مجرد منصب؛ فهي ترى في هذا الدور مساحة لصناعة المستقبل بقدر ما هو امتداد لمسيرتها الفنية.
زينة دبوس في «لابا».. حين تصبح الخبرة رسالة
تقول دبوس: «وجودي في لابا كرئيسة لقسم الفنون يجعلني أعيش الفن من زاويتين متكاملتين، كفنانة تواصل البحث والتجربة، وكمدربة أعمل على نقل المعرفة والخبرة إلى الطلاب».
وهذه الثنائية تختصر جانباً أساسياً من شخصيتها؛ فهي لا تريد أن تبقى خبراتها العالمية محصورة في سيرتها الذاتية، ولا أن تتحول مشاركاتها الدولية إلى مجرد عناوين تضاف إلى سجلها الفني.
بل تريد أن تعود تلك التجارب إلى الكويت على هيئة معرفة، وورش عمل، ومناهج، وأفكار، وفرص حقيقية للمواهب الشابة.
وترى أن الفنان أو المدرب لا ينبغي أن يُختار بناءً على الموهبة وحدها، بل على الخبرة والممارسة المستمرة والرغبة في التعلم والتطور، وهي فلسفة تنسجم مع توجه «لابا» في بناء بيئة فنية وتعليمية تستفيد من الخبرات المحلية والدولية.
حين يصبح الطفل لوحة المستقبل
ومن أكثر الجوانب إنسانية في تجربة دبوس عملها مع الأطفال، خصوصاً من خلال برنامج Kids Art Academy.
فهي لا ترى تعليم الطفل الفن باعتباره تدريباً على الرسم أو استخدام الألوان فقط، بل تعتبره وسيلة لبناء الشخصية، وتحرير الخيال، وتعزيز القدرة على التعبير.
وتقول: «تعليم الطفل الفن لا يعني فقط تعليمه الرسم أو استخدام الألوان، وإنما مساعدته على اكتشاف خياله وبناء شخصيته وقدرته على التعبير».
ومن خلال أساليب ومناهج فنية بريطانية، يسعى البرنامج إلى تقديم تجربة تتناسب مع عمر الطفل وفضوله، وتمنحه فرصة لاكتشاف الفن بعيداً عن فكرة الدرس التقليدي.
بالنسبة إلى دبوس، الطفل لا يحتاج إلى أن يتعلم كيف يرسم فقط، بل يحتاج أولاً إلى أن يعرف أن لديه شيئاً يستحق أن يقوله، وأن خياله يمكن أن يكون بداية لحكاية كاملة.
العالم يقرأ اسمها
في عام 2026، تواصل زينة دبوس حضورها في المشهد الفني الدولي، من خلال مشاركات ومحطات في نيويورك ولندن وبرشلونة وباريس وأمستردام واليابان والبرتغال وفلورنسا، إلى جانب مشاركتها في Women in Art Biennale London 2026.
وتستعد خلال أكتوبر المقبل لمحطة جديدة في باريس، فيما اختيرت أعمالها للنشر في الكتاب الفني الدولي The World Art Guide Book، المقرر صدوره نهاية العام.
هذه المشاركات، على الرغم من بريقها، لا تتعامل معها دبوس بوصفها قمم الوصول، وإنما بوصفها علامات جديدة على طريق لا يزال مفتوحاً.
فهي تؤمن بأن القيمة الحقيقية لأي إنجاز فني ليست في عدد المعارض أو المدن، وإنما فيما يضيفه ذلك الإنجاز إلى وعي الفنان وتجربته وقدرته على الاستمرار.
المجد الحقيقي.. أن تفتح الطريق لغيرك
ربما هنا تكمن خصوصية زينة دبوس؛ فهي لا تقيس نجاحها بعدد المعارض والمدن التي وصلت إليها أعمالها، بل بما تضيفه هذه الرحلة إلى تجربتها، وبما تستطيع أن تنقله إلى الآخرين.
ومن هنا يأتي فخرها بتولي رئاسة قسم الفنون في «لابا» بوصفه مسؤولية تتجاوز اللقب، لتصبح مساحة تجمع فيها بين شغف الفنانة وخبرة المعلمة وطموح القائدة.
ومن بيروت إلى كندا، ومن الكويت إلى العالم، تواصل دبوس رحلتها الفنية بثقة الفنان الذي يعرف أن الوصول ليس نهاية الطريق، وأن أجمل أثر يمكن أن يتركه هو أن يفتح أمام جيل جديد أبواباً لم تكن مفتوحة من قبل.
وهكذا، تصبح تجربتها أكثر من سيرة فنانة تشارك في المعارض الدولية؛ إنها حكاية امرأة جعلت من الفن لغة، ومن المعرفة امتداداً للإبداع، ومن «لابا» فضاءً لصناعة مستقبل أكثر جمالاً للمواهب الشابة.

