فضيلة الشك
بقلم: أحمد الصراف

النشرة الدولية –
يقصد بـ«فضيلة الشك»؟ الشك الإيجابي، الذي لا يقود إلى الرفض أو العدمية، بل إلى طرح الأسئلة والبحث عن إجابات يطمئن إليها العقل، أي «الشك الذي يقود إلى اليقين».

وهناك فرق بين «الحقيقة المطلقة»، وبين قدرة الإنسان المحدودة على الوصول إليها؛ فالشك هنا أداة منهجية لمساءلة الافتراضات، لا إنكار المعنى. وكان الشك دائما مفتاح المعرفة، وكشف الغامض من الأمور، فلولا الشك لما عرفنا، مثلا، ما سنجده لو استمر ابحارنا في المحيطات، ولما اكتشفنا عوالم وقارات جديدة، ولما عرفنا، بفضل الشكاكين من المغامرين، الذين سعوا، مثلا، لمعرفة مصدر مياه الأنهار التي تشق مدننا منذ آلاف السنين، دون أن يسأل أحدنا نفسه؛ من أين تأتي كل هذه المياه؟

لماذا يُعدّ الشك «فضيلة» في بعض المجالات؟

في منهج العلم، الفضيلة تكمن في الشك المستمر بطرح الفرضيات والاستنتاجات، لأن التحيزات قد تُضلل البحث لعقود إن لم تُساءَل. و«الشك الخلاّق» ضروري للتقدّم، فهو يُحرّك البحث والابتكار، بعكس «الشك المدمّر» الذي يتحوّل إلى وسواس وريبة بمواقف وآراء الآخرين. ويصبح مشكلة حين يصبح عامًا ومُلازمًا، مثل القول: «لا أثق بأحد»، وهذا افتراض يتضمن سوء نية دائم. وقد يكون سببا للوسواس القهري أو أنماط ريبة مزمنة، وهنا يحتاج الأمر تدخّلًا طبيا. أما إذا كان الشك مجرد وسوسة عابرة تتعلق بالوجود، فمن الأفضل هنا عدم الاسترسال، لأن الأمر أو التساؤل قد لا يكون منهجيًا، ولا قابلاً للحل عبر البحث والبرهان.

وبالتالي هناك فرق جوهري بين «الشك المنهجي»، فهو صحي ومؤقت، وموجَّه، وقابل للحل بالأدلة، مقارنة بالشك المرضي المستمر، والمبالغ فيه، وغير المطمئن، فإنه مضرّ، وقد يكون مدمرا.

وإذا كان الإنسان من النوع الذي يُعاني من الشك الذاتي ويُشكك في كل شيء، فهذا عادة يعود، كما أثبت العلم، لكون معدل ذكائه أعلى من غيره، وقد يكون شخصا حكيما. فالقاعدة تقول بأن الحمقى دائمًا ما يكونون واثقين من أنفسهم، بينما يمتلئ الأذكياء بالشك، في معارفهم.

يقول الفيلسوف برتراند راسل: كلما ازدادت معرفتك بشيء ما، استطعت إدراك خفاياه. ويمكنك رؤية الاستثناءات، والتحفظات، والمواضع التي قد تكون فيها مخطئًا. نادرًا ما تعني المعرفة اليقين؛ إنها تعني فقط أنك تعرف الأسئلة التي يجب طرحها لاحقًا. أما الجاهل فلا يعاني من أي من هذه الأمور، فبالنسبة له، العالم بسيط وواضح لأنه يفتقر إلى التفاصيل الضرورية. وهكذا، من الداخل، قد يبدو الجهل يقينًا والمشكلة تكمن في أن العالم الحديث يُكافئ الثقة على الصواب. ففي جدالٍ حاد، يبدو الشخص الذي لا يساوره شكٌّ أكثر إقناعًا من الشخص الذي يُوازن بين جميع الآراء. وهكذا، يُمنح الحمقى والمتعصبون المنصة والاهتمام، بينما يُهمَّش المفكرون ويُقاطعون. هكذا تمامًا يُمكن لبلدٍ أن يندفع بفخرٍ نحو الهاوية.

لذا، يرى البعض بأننا إذا قابلنا شخصًا واثقًا من نفسه حدَّ اليقين، فلا يجب أن نعتبر ذلك مدعاةً للفخر، بل اعتباره علامة تحذير. وإذا قابلنا شخصًا مليئًا بالشك، فاعتبر ذلك مدعاةً للإعجاب، لأن الشك هو صوت الحكمة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى