كيف تحول نتنياهو من «ملك إسرائيل» إلى نقمة عليها؟
بقلم: رجا طلب

النشرة الدولية –
منذ صعود بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، لم يكن الرجل مجرد رئيس وزراء مثل غيره ممن سبقوه في هذا المنصب، بل أصبح مشروعًا سياسيًا أعاد تشكيل بنية الدولة والمجتمع في دولة الاحتلال تدريجيًا وبهدوء، واليوم، وبعد ثلاثة عقود تقريبًا، لم يعد السؤال: هل يبقى نتنياهو أم سيرحل؟ بل السؤال هو: أي إسرائيل تلك التي سيتركها وراءه؟
نجح نتنياهو في نقل مركز الثقل السياسي الإسرائيلي بعيدًا نحو اليمين، ووسّع نفوذ الأحزاب الدينية والقومية المتشددة، وحوّل الأمن إلى مظلة سياسية تبرر استمرار الصراع وتؤجل الأسئلة الكبرى حول مستقبل دولة الاحتلال. لكن المفارقة أن هذا المسار، الذي منح حكوماته قدرة عالية على البقاء، أنتج في المقابل تشققات داخلية باتت تمس أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية، ألا وهو تماسك المجتمع وبنيته الاجتماعية والسياسية. فإسرائيل اليوم أكثر انقسامًا حول الدين والدولة، والقضاء، وحدود الديمقراطية، والحرب، والاستيطان، والخدمة العسكرية، والخلاف حول قضايا أخرى مثل إعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، والذي تحول إلى صراع على مفهوم المواطنة وتقاسم الأعباء، وأصبح يهدد تماسك المعسكر اليميني نفسه، وتشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه القضية ستكون من أبرز معارك انتخابات أكتوبر القادمة.
أما رد الفعل الإجرامي لهذا اليمين على «السابع من أكتوبر»، فقد أصاب صورة إسرائيل التي بناها نتنياهو على أساس «الأمن أولًا» في مقتل، حيث كشفت العملية أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يمنعان الفشل الاستراتيجي، وأن الدولة التي تقدم نفسها باعتبارها الأكثر أمنًا في المنطقة يمكن أن تتعرض لهزة أمنية هائلة. ثم جاءت الحروب الممتدة لأكثر من جبهة لتطرح السؤال الاستراتيجي التالي: هل تستطيع إسرائيل تحمل حرب مفتوحة بلا نهاية سياسية؟
في الجواب… كل يوم إضافي للحروب متعددة الجبهات، «حروب نتنياهو»، يعني زيادة في الكلفة الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، ويزيد من الضغط على جنود الاحتياط، ويعمق الاستقطاب الداخلي، ويضعف قدرة الاحتلال على العودة إلى الحياة الطبيعية. وفي المقابل، تبدو هذه الحكومة المتطرفة عاجزة عن تقديم تصور واضح لنهاية الحروب أو شكل التسوية التالية، وهنا تظهر نقطة الضعف الأعمق: إسرائيل قوية عسكريًا، لكنها تعاني أزمة استراتيجية في تعريف ما تريد أن تكون عليه؛ فهل هي دولة يهودية ديمقراطية؟ دولة قومية دينية؟ دولة أمنية دائمة الحرب؟ أم قوة إقليمية تقبل بتسوية تاريخية؟
ومع اقتراب الانتخابات في نهاية أكتوبر القادم، تظهر مؤشرات على تراجع جاذبية الليكود وانقسام قاعدته، فيما يدفع الصراع الداخلي الحزب نفسه نحو مزيد من اليمين، وهنا تحديدًا ينبغي علينا نحن العرب قراءة المشهد بذكاء، فليس المطلوب الرهان على انهيار إسرائيل، فهذا غير واقعي، والمبالغة في القدرة على تحويل الانقسامات الإسرائيلية إلى هدف للمواجهة، بل المطلوب هو استثمارها سياسيًا واستراتيجيًا.
ولكن السؤال: كيف؟
يمكنني القول إن ذلك قد يتم عبر أجندة تبدأ ببناء قوة عربية إقليمية قادرة على التفاوض من موقع الندية؛ واستخدام الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والممرات التجارية كأدوات نفوذ؛ وتوسيع الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية؛ وتعزيز العلاقة مع قطاعات المجتمع الإسرائيلي التي تبحث عن الأمن والاستقرار لا عن حروب دائمة ومفتوحة. فأخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل مستقبلًا ليس جيشًا عربيًا على حدودها، بل بيئة إقليمية متماسكة تحاصر «العربدة» الإسرائيلية، وتجعل من نهج اليمين القائم على ديمومة الحروب والتوسع ذا كلفة عالية، وعالية جدًا. وقد يكون هذا هو الإرث الثقيل لحقبة نتنياهو، والذي يمكن وصفه بأنه جعل إسرائيل أكثر قوة في السلاح، لكنه جعلها أكثر ضعفًا في تماسكها الداخلي، وشرعيتها الدولية، وقدرتها على إنتاج مستقبل سياسي قابل لإنتاج دولة قوية ومتعافية.