رانيا مرعي تشعل المشهد الثقافي بـ«تعال نبحث عنّا»… عندما يكون الأدب حدثًا يليق بالاحتفاء

النشرة الدولية –
ليس غريبًا أن تحظى الكاتبة والشاعرة والإعلامية رانيا مرعي بكل هذا الزخم، ولا مستغربًا أن يلتف حول إصدارها الجديد هذا الحشد اللافت من الاهتمام والاحتفاء. فثمة إصدارات تمرّ في المشهد الثقافي مرورًا عابرًا، وثمة كتب تأتي لتفرض حضورها، وتستدعي الأقلام، وتوقظ فضول المنابر الإعلامية، وتفتح أبواب النقاش حول ما تحمله من قيمة أدبية وجمالية. ويبدو أن «تعال نبحث عنّا» قد دخل هذا المشهد من بابه الواسع، حاملًا عنوانًا يثير الأسئلة، ويستفزّ التأمل، ويغري القارئ برحلة إلى أعماق الذات والوجدان.
إن هذا الزخم المحيط بالإصدار الجديد ليس مجرد مشهد احتفالي عابر، بل هو، في قراءته الثقافية، مؤشر إلى حجم الاهتمام الذي استطاع الكتاب أن يستقطبه، وإلى الحضور الذي تتمتع به رانيا مرعي في محيطها الأدبي والإعلامي. فحين تتسابق الصحف والمنصات والمواقع الإخبارية إلى استضافتها، وتتحول المقابلة معها إلى مادة تسعى المنابر إلى الظفر بسبق نشرها، فإن ذلك يكشف عن حالة من الترقب والاهتمام تستحق التوقف عندها، ويضع الإصدار في دائرة الضوء، حيث تتقاطع الكتابة مع الإعلام، ويصبح الكتاب نفسه محورًا لحديث يتجاوز حدود صفحات الورق.
لكن الاحتفاء الحقيقي بالأدب لا يُقاس بعدد الكاميرات، ولا بكثرة المقابلات، ولا بحجم التصفيق وحده؛ بل بما يتركه النص من أثر، وبقدرته على ملامسة الإنسان في أسئلته الكبرى، واستنطاق ما يعجز أحيانًا عن قوله، وإعادة اكتشاف المعاني التي تبهت وسط صخب الحياة. ومن هنا، فإن الرهان الأهم الذي يضعه عنوان «تعال نبحث عنّا» أمام القارئ هو رهان النص ذاته: ماذا سنجد في هذه الرحلة؟ وأي مساحات من الوجدان ستفتحها الكتابة؟ وأي أثر ستتركه الكلمات بعد انفضاض الاحتفال؟
إن قيمة أي تجربة أدبية لا تنفصل عن قدرتها على إثراء المشهد الثقافي، وإضافة صوتها الخاص إلى فسيفساء الكتابة العربية. وإذا كان هذا الإصدار قد استقطب كل هذا الاهتمام، فإن الأجمل أن يتحول هذا الاهتمام إلى قراءة جادة، وحوار نقدي مسؤول، واكتشاف حقيقي لما يختزنه النص من طاقة تعبيرية ورؤية إنسانية. فالمكتبة اللبنانية، بما راكمته من تجارب أدبية راسخة وأصوات متجددة، لا تزدهر إلا حين تجد الأقلام التي ترفدها بأعمال تستحق القراءة والتأمل، والمكتبة العربية بدورها تظل فضاءً مفتوحًا لكل تجربة تضيف إلى لغتها جمالًا، وإلى أسئلتها عمقًا، وإلى إنسانها نافذة جديدة نحو ذاته والعالم.
أما رانيا مرعي، فإن ما يحيط بإصدارها الجديد يسلّط الضوء على حضورها وعلى التفاعل الذي أثارته تجربتها في الأوساط المهتمة بالأدب والإعلام. وهي لحظة تستحق أن تُقرأ بما تحمله من تقدير للكتابة ولصاحبتها، وبما تفتحه من أفق أمام النص كي ينتقل من مناسبة إطلاقه إلى مساحة أوسع من التداول والقراءة والنقد.
هنا، لا يعود السؤال مقتصرًا على سبب احتفاء المنابر برانيا مرعي، بل يمتد إلى ما يمكن أن يقدمه «تعال نبحث عنّا» للقارئ، وإلى المكان الذي قد يحتله في المشهد الأدبي اللبناني والعربي. فالإصدارات التي تستحق البقاء هي تلك التي لا تنتهي عند حفل توقيع، ولا تخبو بانتهاء المقابلات، بل تواصل رحلتها في أيدي القراء، وتجد في كل قراءة حياة جديدة، وفي كل تأمل معنى إضافيًا.
«تعال نبحث عنّا»… عنوان يحمل نداءً، وإصدار يلفت الأنظار، ورانيا مرعي في قلب مشهد ثقافي يترقب ما تقوله الكلمات حين تتحول الكتابة إلى مساحة للبوح والتأمل واكتشاف الإنسان. ويبقى الامتحان الأجمل والأبقى هو امتحان النص أمام القارئ؛ فهناك، بعيدًا عن أضواء الاحتفاء، تتحدد القيمة التي لا يصنعها الضجيج، بل تصنعها الكتابة حين تكون جديرة بأن تُقرأ، وأن تُناقش، وأن تترك أثرًا.