هل انكسرت الجرة بين الدولة اللبنانية و”الثنائي الشيعي”؟

النشرة الدولية –
اندبندنت عربية –
يتعقد مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، بخاصة بعد تصريحات رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري التي على ما يبدو حسم فيها الموقف حالياً في الأقل، بأن “لا جدوى من التفاوض تحت النار”، وبأنه أوقف تشغيل محركاته، خلال حديث إعلامي أدلى به أمس الأول الجمعة.
وكان صدر عن مكتب بري ما يلي، “مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، إلا أن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقُل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات”، رداً على ما صرّح به رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام الهيئات الاقتصادية بأن لبنان ينتظر تحديد موعد من الولايات المتحدة لبدء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، مؤكداً أن “كل خطوة اتُخذت جرت بالتنسيق والتشاور مع رئيسي مجلس النواب (نبيه بري) والحكومة (نواف سلام)، على عكس ما يُحكى في الإعلام”.

“اندبندنت عربية” استفسرت عن أسباب بيان النفي من مصادر مقربة من بري، وهل انكسرت الجرة بينه وعون، وأشارت تلك المصادر إلى أن “البيان صدر بخصوص نقطة معينة ولا داعي للتعليق على الأمر بأكثر من ذلك”.
ولكن بين بيان النفي ومن ثم إعلان بري عدم جدوى التفاوض تحت النار، لم يبدُ أنها مواقف عابرة، بل إعلان سياسي صريح بأن ما يطرح اليوم ليس مسار سلام، بل إدارة أزمة تحت نار الغارات والاستهدافات وسقوط المدنيين. والحقيقة أنه كلما تقدم مسار التفاوض خطوة، تأتي الضربات من قبل الطرفين المتقاتلين “حزب الله” والجيش الإسرائيلي، لتلغي مفاعيل إيجابية ذلك التقدم.
قواعد اشتباك جديدة في الجنوب
وعملياً، ما شهدته الأيام الأخيرة من تصعيدات لا يمكن قراءته كتصعيد أحادي أو رد فعل موضعي، بل إنه مسار متدرج من رفع السقوف من جانب الطرفين. وشكّل سقوط قتلى في صفوف الجيش الإسرائيلي نقطة تحول ميدانية، بعد انتقال “حزب الله” إلى استخدام مسيّرات أكثر تطوراً، موجهة بالألياف الضوئية، ويمكن وصفها بـ”الشبحية” بحسب خبراء عسكريين، لأنها منخفضة البصمة وصعبة الرصد من ناحية المدى والدقة، مما دفع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى إصدار تعليمات في شأن “مشروع خاص” للقضاء على تهديد الطائرات المسيّرة التابعة لـ”حزب الله”، مضيفاً أن الأمر “سيستغرق وقتاً”. وقال نتنياهو إن صواريخ ومسيّرات “حزب الله” تمثل “تهديدين رئيسَين” لإسرائيل، داعياً قادة الجيش إلى حلها.
وهذا التوازي في السلوك يكشف عن أن قواعد الاشتباك لم تعُد ثابتة، بل تعاد صياغتها تحت الضغط. وتحاول إسرائيل استعادة زمام المبادرة عبر الضربات الاستباقية وتوسيع بنك الأهداف، فيما يسعى “حزب الله” إلى تثبيت قدرة ردع محدثة عبر أدوات جديدة تظهر أن قدراته لم تُستنزف كما روّجت إسرائيل طوال الفترة الماضية. وعليه يبدو أن كل طرف يختبر حدود الآخر، ويراقب مستوى الرد، ويعيد ضبط إيقاعه تبعاً لذلك.
في هذا السياق، يصبح التصعيد نتيجة تفاعل متبادل أكثر منه قراراً منفرداً، مما يجعل احتمالات الانزلاق إلى مستويات أعلى قائمة، حتى في ظل غياب قرار معلن بالحرب الشاملة.
الولايات المتحدة… “لقد ولى زمن التردد”
وهنا، لا يعود السؤال كيف تنجح المفاوضات، بل لماذا يُراد لها أن تستمر أصلاً وفق هذه الشروط المختلة؟ لأن ما يجري يكشف عن خلل بنيوي في المسار التفاوضي، فإسرائيل تريد أن تفاوض تحت النار، في حين أن الولايات المتحدة تضغط بالسياسة، ويُدفع لبنان إلى الطاولة بلا أوراق قوة حقيقية وبلا غطاء داخلي مكتمل. وكان صدر عن السفارة الأميركية بيان جاء فيه، “يقف لبنان اليوم على مفترق طرق. أمام شعبه فرصة تاريخية لاستعادة وطنه ورسم مستقبله كدولة ذات سيادة واستقلال حقيقيين”.
وأشار منشور السفارة عبر منصة “إكس” إلى أن “الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل، وهما دولتان متجاورتان ما كان ينبغي لهما أن تكونا في حال حرب، يمكن أن يشكل بداية نهضة وطنية. وأتاح وقف إطلاق النار الممدد الذي تم بناءً على طلب شخصي من الرئيس دونالد ترمب، للبنان المساحة والفرصة لعرض جميع مطالبه المشروعة على طاولة المفاوضات، مع إيلاء حكومة الولايات المتحدة الاهتمام الكامل لها”. واعتبرت السفارة الأميركية أن اجتماعاً مباشراً بين عون ونتنياهو بتسهيل من ترمب، سيتيح للبنان فرصة الحصول على ضمانات ملموسة حول السيادة الكاملة والسلامة الإقليمية وتأمين الحدود والدعم الإنساني وإعادة الإعمار واستعادة سلطة الدولة اللبنانية الكاملة على كل شبر من أراضيها، بضمانة من الولايات المتحدة”، وختمت البيان بالقول “لقد ولى زمن التردد”.
إذاً، في اللحظة التي يفترض أن تتحول فيها المفاوضات إلى مدخل لوقف التصعيد، تتحول إلى عبء على الدولة نفسها، وتحرجها أمام المواطنين اللبنانيين وتضعها في مواجهة مباشرة مع جزء من بيئتها السياسية. بهذا المعنى، لا يعبر كلام بري فقط عن موقف، بل عن واقع أن المسار التفاوضي بلا حد أدنى من الاستقرار، هو مسار محكوم بالاهتزاز، إن لم يكُن بالسقوط.
هل تصل العلاقات بين الجمهورية و”الثنائي الشيعي” إلى مرحلة “الطلاق السياسي”؟
وعليه تطرح أسئلة رئيسة في هذه المرحلة الدقيقة من مستقبل لبنان السياسي والسيادي، فهل تنجو المفاوضات المباشرة من هذا المأزق؟ والسؤال الأهم هل تصل العلاقات بين رئيس الجمهورية و”الثنائي الشيعي”، أي “حزب الله” ونبيه بري، إلى أبغض الحلال، ويحصل بينهما “طلاق سياسي”؟
يمكن القول إن العلاقة لم تنكسر بالكامل بعد، لكنها تشققت سياسياً وبعمق، وما حصل لم يعُد مجرد سجال عابر بين بعبدا (مقر رئاسة الجمهورية) وحارة حريك (مقر قيادة “حزب الله”) وعين التينة (مقر رئاسة مجلس النواب)، بل بات انتقالاً واضحاً من مرحلة “إدارة التباين” إلى مرحلة الصدام على تعريف الشرعية نفسها. من يملك قرار الحرب؟ ومن يملك قرار التفاوض؟ ومن يحق له أن يتهم الآخر بالخيانة؟ ذلك أن عون لم يرد على الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم بلغة مواربة، عندما قال إن “ما نقوم به ليس خيانة، بل الخيانة يرتكبها من يأخذ بلده إلى الحرب تحقيقاً لمصالح خارجية”، كان يضرب مباشرة جوهر سردية الحزب، لا هامشها. هو لم يناقش فقط مسألة التفاوض مع إسرائيل، بل وضع الحزب أمام سؤال محرج، إذا كانت المفاوضات تحتاج إلى إجماع وطني، فهل الحرب التي فُرضت على لبنان حازت هذا الإجماع؟
في المقابل، لم يتعامل قاسم مع مسار الدولة كخلاف سياسي قابل للنقاش، بل كـ”خطيئة خطيرة”، وقال بوضوح إن المفاوضات المباشرة ومخرجاتها “كأنها غير موجودة” بالنسبة إلى “حزب الله”، وإنها لا تعنيه من قريب أو بعيد، مؤكداً الاستمرار في ما يسميه “المقاومة الدفاعية” والرد على إسرائيل. وهنا تحديداً تكمن خطورة الكلام، فالحزب لا يعترض فقط، بل يعلن مسبقاً أنه غير ملزم ما قد تلتزمه الدولة.
أما دخول نبيه بري على الخط عبر بيان مكتبه الإعلامي، ونفيه دقة كلام عون حول التنسيق معه في ملف المفاوضات، فنقل الاشتباك من مستوى رئاسة الجمهورية و”حزب الله” إلى مستوى أوسع، أي رئاسة الجمهورية في مواجهة “الثنائي الشيعي” لا الحزب وحده. وهنا تصبح المسألة أخطر من خلاف على صياغة بيان أو تفسير اتفاق، فبري الذي كان غالباً يؤدي دور صمام الأمان بين الدولة والحزب، ظهر هذه المرة أقرب إلى تثبيت سقف “الثنائي” في وجه رئاسة الجمهورية، مما يعني أن الأزمة لم تعُد بين من يريد الحرب ومن يريد التفاوض فقط، بل بين دولة تحاول استعادة قرارها، و”ثنائي” يريد أن يبقى شريكاً إلزامياً في كل قرار سيادي، حتى حين يكون السلاح خارج يد الدولة.
بيان بري “اتهام لرئيس الجمهورية”
يقول الكاتب والصحافي علي الأمين “لا شك في أن ما صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس البرلمان، عبر نفي ما نسبه عون إلى تشاوره مع بري، في كل ما قام به حيال المفاوضات، يضع الأمور في وضعية حرجة، لأنه يحمل اتهاماً لرئيس الجمهورية، وإن كانت الصيغة ملتبسة وغامضة على طريقة بري هذه الأيام، ولكن فيها شيئاً من الوضوح بأن الأخير لم يؤيد خطوات الذهاب نحو التفاوض المباشر”.
ويتابع أن “ما حصل يُفترض توضيحه ومعالجته بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، وأن يخرج بري بصورة واضحة ويعلن رفضه المطلق لما يقوم به عون، لأن الأمر لا يحتاج فقط إلى صدور بيان من المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب، بخاصة أن عون لم يذهب أو لم يكُن متحمساً وراغباً في التفاوض، بقدر ما أن الموضوع هو نتيجة لتداعيات ما قام به ‘حزب الله’ على مستوى إطلاق الصواريخ الستة، وإدخال البلد في وضع حرج جداً، سواء عبر الاحتلال الذي تم حتى الآن، أو الدمار والتهجير، وكل ما جرى خلال الشهرين الماضيين. من هنا، فإن رئيس الجمهورية يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأمور في الأقل في مواجهة تلك التداعيات”. ويرى الأمين أن “سلوك رئيس الجمهورية ومنذ اليوم الأول لرئاسته حتى الآن، كانت علاقته مع رئيس مجلس النواب ممتازة، وكان هناك تصريح لبري شهير حين قال ‘بوجود فخامة الرئيس، يمكننا أن نطمئن’، وربما خاصم كثرٌ عون بسبب علاقته المميزة مع بري. فإذا انطلقنا من هذه الواقعة، فإنه من المستبعد ألّا يكون عون قد أخبر بري أو شاوره بخصوص الخطوات التي اتخذها في شأن المفاوضات المباشرة”. ويضيف الأمين أن “المرحلة لم تصل إلى كسر الجرة بين الرجلين، بقدر ما أن هناك إشكالية تحتاج إلى معالجة، فلا بري بوارد أن يكسر الجرة، ولا عون بوارد أن يذهب إلى المفاوضات منفرداً من دون أن يكون هناك غطاء، تحديداً من رئيس البرلمان. من هنا فإذا كان بري يعتبر أن المفاوضات شر لا يمكن أن يتبناه، فعليه أن يعلن موقفاً واضحاً وصريحاً، وأن يقول للبنانيين وللشيعة منهم على وجه الخصوص ما هي الخيارات البديلة المطروحة على لبنان اليوم التي من الممكن أن يعتمدها هو، ولا سيما أن خيار التفاوض غير المباشر لا يبدو أن له مؤيدين، لا في الولايات المتحدة ولا في إسرائيل”.
لبنان يتجه نحو منعطف خطر
لكن التصريحات المعلنة تكشف عن أنها ليست زلات كلامية، بل كأن الأمور تتجه نحو منعطف سياسي خطر، لأنه وفي سابقة سياسية، وللمرة الأولى في تاريخ رئاسة الجمهورية، يذهب رئيس إلى هذا الحد في توصيف “حزب الله”، متهماً إياه صراحة بدفع البلاد إلى الحرب خدمة لمصالح خارجية. وعلى رغم حملات التخوين والتهديدات الضمنية التي استحضرت مصير الرئيس المصري الراحل أنور السادات، واصل عون تأكيده على مسار التفاوض المباشر، باعتباره خياراً اضطرارياً في زمن الحرب، لا ترفاً سياسياً، وللمرة الأولى، تصبح تهمة الخيانة متبادلة بهذا الوضوح. فـ”حزب الله” يلمّح إلى أن التفاوض خيانة، وعون يرد أن الخيانة هي جر البلد إلى حرب الآخرين. وعندما يدخل بري لينفي رواية بعبدا، فهذا يعني أن الخلاف لم يعُد تفصيلاً داخل السلطة، بل أصبح عنوان المرحلة المقبلة، فمن يحكم لبنان، الدولة أم “الثنائي”؟
المفاوضات المباشرة “نقطة افتراق واضحة”
يقول الصحافي تمجيد قبيسي إنه “كان يُنظر إلى رئيس البرلمان نبيه بري على الدوام على أنه ضمانة للميثاقية في القرارات الكبرى داخل الدولة اللبنانية، ولا سيما بالنسبة إلى الأطراف التي يُفرض عليها عدم التواصل مباشرةً مع ‘حزب الله’. فتمثيل الطائفة يتوزع بين الحزب وحركة ’أمل‘، فيما يُعد بري شخصية وسطية قادرة على تدوير الزوايا واحتواء التباينات. ومنذ تولي العماد جوزاف عون رئاسة الجمهورية، درج على التأكيد ضمن بيانات الرئاسة أن قراراته تأتي بعد التشاور مع بري، في محاولة لتكريس غطاء ميثاقي لخياراته. إلا أن مسألة المفاوضات المباشرة شكلت نقطة افتراق واضحة، إذ أعلن بري معارضته الصريحة لها منذ البداية عند بدء التلويح بإقامتها. ومع ذلك، أقدم عون مستغلاً الضغوط الدولية، على إدراج اسم بري ضمن بيان يتعلق بالتفاوض المباشر، في خطوة بدت وكأنها محاولة لإضفاء شرعية توافقية على قرار اتخذ عملياً بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام”.
ويتابع قبيسي أن “المعلومات تشير إلى أن عون راهن على التزام بري الصمت تحت وطأة الضغوط الدولية، إلا أن الرياح عاكسته مع إصدار مكتب بري بياناً أكد فيه عدم دقة ما نُسب إليه. ومع ذلك، لا يمكن القول إن العلاقة بين عين التينة وبعبدا وصلت إلى القطيعة. فعون، على رغم تصعيده في مواجهة ‘حزب الله’، لا يستطيع التفريط بالغطاء الميثاقي الشيعي الذي يمثله بري، في حين أن الأخير، المعروف ببراغماتيته، يميل إلى إدارة الخلافات لا تفجيرها. إلا أن التباين في المواقف يبدو أكثر وضوحاً اليوم وهذا أمر متوقع، خصوصاً أن موقف بري من عون لم يكُن إيجابياً بالكامل منذ ما قبل وصوله إلى الرئاسة، لكن ظروف ما بعد عدوان عام 2024 والضغوط الدولية فرضت قدراً من المرونة في التعاطي. إلا أن الخلاف بين بعبدا وعين التينة مرشح لأن يكون أكثر علنية، وإن بقي مضبوطاً بسقوف سياسية تحول دون الانفجار الكامل”.
تصعيد مقبل بين “الثنائي الشيعي” والرئيسين عون وسلام
ويتابع قبيسي أن “الجو العام في البلاد اليوم يرجح تصعيداً مقبلاً بين “الثنائي الشيعي” من جهة، والسلطة الحالية المتمثلة في عون وسلام من جهة أخرى، وذلك مع انقضاء العدوان الإسرائيلي. ويستند هذا التقدير إلى جملة عوامل، أبرزها العدائية واتخاذ قرارات منفردة (التفاوض المباشر) بأسلوب أقرب إلى ‘سياسة إلغاء’ من قبل السلطة، مما ينافي ‘اتفاق الطائف’ الذي يشكل ضمانة للاستقرار، غير أن لبنان لم يبلغ في أية مرحلة سابقة هذا المستوى من الانصياع للضغوط الخارجية كما اليوم في ظل أداء عون وسلام، إذ باتت القرارات أقرب إلى أن تُملى عليهما من الخارج. وفي المقابل، يدرك ‘الثنائي’ أن عون وسلام أتيا في سياق تنفيذ أجندات خارجية على رأسها التطبيع ونزع السلاح، مما يُعد خطاً أحمر، إلا أن الظروف السياسية السابقة فرضت قدراً أكبر من المرونة في التعاطي، مع رهان واضح على عامل الوقت غير المفتوح”.
هنا يصبح السؤال ليس فقط هل انكسرت الجرة؟ بل هل بقيت هناك جرة واحدة أصلاً؟
ووفقاً لما سبق، يبدو أن هناك دولتين داخل دولة واحدة، دولة رسمية تريد التفاوض لإنهاء الحرب، ودولة أمر واقع تعتبر أن نتائج هذا التفاوض لا تعنيها. وهناك “مساران” يتصارعان، شرعية الدستور والمؤسسات من جهة، والسلاح غير الشرعي ووقائع الميدان من جهة أخرى. لكن الجرة لم تنكسر نهائياً لسبب واحد، أن لا أحد يريد إعلان الطلاق الكامل الآن. فعون لا يستطيع فتح مواجهة شاملة مع “الثنائي” وهو يحتاج إلى حد أدنى من الغطاء الداخلي، بينما لا يريد “الثنائي” إسقاط العهد في لحظة ضغط إسرائيلي وأميركي وعربي، لكنه يريد كبحه ومنعه من الذهاب بعيداً في مسار التفاوض. لذلك نحن أمام كسر مضبوط لا قطيعة كاملة، تصعيد كلامي ورسائل قاسية وشد حبال، لكن من دون إسقاط آخر الجسور.