الذكاء الاصطناعي بين الابتكار وجريمة ابتزاز الفتيات بالصور المفبركة
بقلم: د. محمد الجبور

لم يعد الابتزاز الإلكتروني جريمة تقليدية تعتمد على صور أو معلومات حقيقية، بل دخلنا مرحلة أكثر خطورة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح بالإمكان إنتاج صور ومقاطع فيديو مفبركة تبدو في ظاهرها حقيقية، واستخدامها لتشويه سمعة الفتيات وتهديدهن وإجبارهن على الخضوع لمطالب المبتز.
إن ما يعرف بتقنية التزييف العميق (Deepfake) يمكن أن يحول صورة عادية لفتاة إلى محتوى إباحي مفبرك دون علمها أو موافقتها. وهنا لا نتحدث عن إساءة استخدام للتكنولوجيا فحسب، بل عن جريمة تمس الكرامة الإنسانية والخصوصية والأمان الاجتماعي.
الأخطر أن المبتز لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك صورة حقيقية للضحية؛ فقد يحصل على صورة منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد محتوى مزيف، وبعدها يبدأ التهديد: إما الدفع، أو تنفيذ مطالبه، أو نشر الصور أمام الأسرة والأصدقاء والمجتمع.
وهنا يجب أن نؤكد حقيقة مهمة: الضحية ليست مذنبة، والصورة المفبركة لا تجعل الجريمة أقل خطورة. المسؤولية الكاملة تقع على من أنشأ المحتوى بهدف الإضرار أو التهديد أو الابتزاز أو التشهير.
المواجهة لا تبدأ بالخوف ولا بدفع المال للمبتز، لأن الاستجابة لمطالبه قد تشجعه على الاستمرار ورفع سقف التهديد. بل تبدأ بتوثيق الأدلة، وحفظ المحادثات والحسابات والروابط، وعدم حذفها، ثم التوجه إلى الجهات المختصة بالجرائم الإلكترونية.
كما أن مسؤولية الأسرة والمجتمع أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فلا يجوز أن تتحول الضحية إلى متهمة، ولا أن يكون الخوف من نظرة المجتمع سببًا في صمتها. المطلوب هو احتضانها وحمايتها وتشجيعها على الإبلاغ، لأن الصمت يمنح المبتز قوة إضافية.
أما المدارس والجامعات والمؤسسات الإعلامية، فعليها أن تتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها جزءًا من الأمن الرقمي والمجتمعي، وأن تنشر الوعي حول مخاطر مشاركة الصور الشخصية والمعلومات الخاصة، وكيفية اكتشاف محاولات الابتزاز والتعامل معها.
وفي الوقت ذاته، يجب أن تتطور التشريعات والأدوات التقنية بالتوازي مع تطور الذكاء الاصطناعي، لأن التكنولوجيا التي تستطيع صناعة صورة مزيفة خلال دقائق يجب أن يقابلها نظام قانوني وتقني قادر على كشفها ومحاسبة من يستخدمها للإضرار بالآخرين.
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للمجتمع، وإنما الخطر في الإنسان الذي يستخدمه بلا أخلاق أو قانون. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد التكنولوجيا، بل ضد تحويلها إلى أداة للإذلال والابتزاز وتدمير حياة الآخرين.
وفي النهاية، علينا أن نوجه رسالة واضحة لكل فتاة تتعرض لهذا النوع من الابتزاز: لا تخافي، لا تدفعي، لا تستجيبي، ولا تحملي نفسك ذنب جريمة ارتكبها شخص آخر. وثّقي ما حدث واطلبي المساعدة من أسرتك والجهات المختصة.
فحماية الإنسان وكرامته يجب أن تظل أولوية، مهما تطورت التكنولوجيا، ومهما أصبحت أدوات التزييف أكثر قدرة على خداع العين