لوري هايتيان: لبنان ونادي الدول النفطية “الدخول محظور”* عزة الحاج حسن

النشرة الدولية –

بعد تأخر دام لـ13 عاماً شرع لبنان رسمياً في رحلة البحث عن الغاز والنفط وباشر بعملية الاستكشاف في مياهه مع وصول باخرة الحفر Tungsten Explorer منذ أيام.. وكان لافتاً أن تأخر لبنان وعجزه عن اللحاق بالدول المحيطة، في مجال استكشاف واستخراج النفط والغاز لم يردع السياسيين اللبنانيين عن الاستمرار بنهج التجاذب والتناتش والتعطيل نفسه الذي عرقل الملف كل تلك السنوات.. واليوم، وبعد وصول باخرة الحفر وبدء العمل جدياً لاستكشاف الثروة النفطية والغازية لا يزال هناك من السياسيين والأحزاب من يحارب لتنصيب نفسه أبا لملف الغاز والنفط.. متناسياً أن لبنان لم يدخل نادي الدول النفطية حتى اللحظة. وهو ما يتفاخر به التيار الوطني الحر. كما لا يمكن اعتبار لبنان بلدا نفطياً قبل البدء بالإنتاج والتسويق.. فقبل تلك المرحلة، هناك مسلسل طويل يجب متابعته من قبل السلطة بعناية فائقة ومسؤولية عالية. ودون ذلك، لا غاز ولا نفط.

للإطلاع على ملف النفط وتحديد السيناريوهات التي تنتظر لبنان خلال عملية الاستكشاف وما يليها من مراحل واستحقاقات عديدة بالغة الأهمية، أجرت “المدن” لقاءً مع مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا لوري هايتيان. وكان الحوار الآتي:

مع وصول الحفارة وانطلاق عملية الإستكشاف، ما هي سيناريوهات هذه المرحلة؟

ما تقوم به الحفارة Tungsten Explorer المملوكة من شركة Vantage Drilling الأميركية، والمستأجرة من قبل شركة توتال، هو بئر استكشافي فقط. أي أنها ستقوم بالحفر على مدى شهرين، ثم تخرج من المياه اللبنانية، على أن تجري شركة توتال التحليل اللازم للنتائج في مهلة شهرين آخرين، لتحديد حجم الكميات المتوافرة، وما إذا كانت تجارية قابلة للإستخراج أو غير تجارية ولا يفيد استخراجها، أو أن البئر فارغ وهذا الاحتمال يتّضح بوقت سريع.

معلومات جيولوجية

ما هي أفضل التوقعات من العملية الاستكشافية الأولى؟

إن أفضل التوقعات من حفر أول بئر هو احتمال لا يفوق الـ25 في المئة باستكشاف الغاز، وذلك وفق توقعات توتال. ومن المعلوم أن في كافة دول العالم غالباً ما يكون أول بئر فارغاً. بمعنى أنه من المحتمل أن يكون البئر فارغ عند الاستكشاف. ولكن ذلك لا يعني أنه سيكون عديم الفائدة. على العكس، فهو سيكون مهم جداً للجيولوجيين على صعيد إغناء دراساتهم وأبحاثهم بمعلومات جيولوجية. وهذا أمر ضروري، ويُمكنهم الاستناد إليه في حفر الآبار الجديدة.

أما في حال لم يكن البئر فارغاً، فيكون أمامنا أحد احتمالين: إما استكشاف كميات غير تجارية وغير قابلة للإستخراج أو تجارية قابلة للإستخراج. وفي الاحتمال الأول، أي التوصل لكميات غير تجارية فلا يتم استخراجها. إذ أن تكلفة استخراجها تفوق قيمة ما تحويه من كميات غاز. وبذلك تكون النتيجة كما حال البئر الفارغ، أي تتم الاستفادة منه على مستوى المعلومات الجيولوجية والدراسات والأبحاث المُساعدة في حفر آبار أخرى في المياه اللبنانية.

الاحتمال الأخير وهو الخيار الأمثل، أن تكون الكميات المُكتشفة وافرة وتجارية. بمعنى أن يكون هناك جدوى اقتصادية من استخراجها. حينها يبدأ العمل على وضع خطة للتطوير وتنقسم إلى شق تقني وشق الأسواق.

بعد انتهاء الاستكشاف، هل من الممكن تحديد جدول زمني للإنتاج؟ وما صحة الحديث عن 5 سنوات؟

حين تنتهي مرحلة الاستكشاف يبدأ البحث بكيفية تطوير الحقول للإنتاج. ومن الطبيعي أن تتوفر بنى تحتية للغاز وخطة تسويقية.. وكل ذلك يجب أن يتم التخطيط له قبل استخراج الغاز. بمعنى أن تبدأ الشركة بالتفكير بالخطة الأمثل لاستخراج الغاز أو النفط وبالجدوى الاقتصادية وبنوعية المنصة التي يجب وضعها، وبموعد البدء بالإنتاج. إذ أن هناك الكثير من العوامل التي تؤثر بعملية الإنتاج. ومن الممكن أن يتم ذلك خلال 3 سنوات أو 5 سنوات أو ربما 10 على سبيل المثال. فلا يمكن لأي كان أن يتكهّن بالمدة الزمنية بشكل دقيق.

وكافة التواريخ التي يتم تحديدها هي مجرد تكهنات. والسبب، أن الاكتشاف الذي سيتم خلال الأشهر الخمسة المقبلة يجب من بعده معرفة الكميات والتقييم والخطة، ثم الموافقة على الخطة، ثم وضع جدول زمني.

وعلى سبيل المثال استهلك حقل “ظهر” المصري أقل من 3 سنوات، وبدأ الإنتاج. وكانت البنى التحتية متوفرة في حين أن حقل “تمار” الإسرائيلي استهلك 4 سنوات، وبدأ بالإنتاج. علماً أن البنى التحتية لم تكن متوفرة، أما حقل “لفياتان” الإسرائيلي فبدأ بالإستخراج بعد 10 سنوات من تاريخ استكشافه، وفي قبرص بدأوا الاكتشافات في العام 2011، وحتى الآن لم يبدأ الإنتاج. من هنا، لا بد من التأكيد أن الحديث عن تحديد مهل زمنية للاستخراج أو الحديث عن الكميات، أمر غير دقيق على الإطلاق.

التسويق والتصدير

في حال التوصل إلى مرحلة الاستكشاف، هل من خيارات أمام لبنان للتسويق؟ وما هي أفضل السُبل؟

بعد الاستكشاف يبدأ العمل على خطة البنى التحتية والتسويق. وفي مجال التسويق أمامنا السوق الداخلية والسوق الخارجية.

بالنسبة إلى السوق الداخلية، أهم قطاع يمكن الاستفادة فيه من الغاز المُستكشف هو قطاع الكهرباء. وفي حال لم يكن القطاع جاهزاً لاستيعاب الغاز واستخدامه، فلا يمكن الاستفادة منه. بمعنى إذا قررنا أن نستخدم جزءاً من حصتنا من الغاز في الاستهلاك الداخلي، فلا يمكن استخدامه في حال محطاتنا لتوليد الطاقة (معامل الطاقة) لم تكن جاهزة للعمل على الغاز وليس الفيول.

ما هي آليات التصدير؟

أمام لبنان طريقتان للتصدير، الأولى عبر تسييل الغاز أو ما يعرف بالـLNG (Liquefied natural gas) والثانية تصديره بالأنابيب.

بالنسبة للأولى أي تسييله وشحنه بالبواخر إلى الأسواق الخارجية. وهنا يجب البحث في إمكان توفر محطة تسييل، ونظراً لكون لبنان لا يملك هكذا محطة ممكن اللجوء إلى دولة تملك محطة تسييل كمصر. وفي حال قررنا التسييل في مصر يجب أن نرسل الغاز عبر الأنابيب. وهنا الخيارات محصورة باستحداث أنابيب إلى قبرص ومنها إلى مصر، لاسيما أن قبرص تعمل حالياً على إنشاء أنابيب مع مصر وهذا خيار مرتبط بتنفيذ الأنابيب بين قبرص ومصر.

وهناك خيار آخر للتسييل في محطات مصر، هو استخدام أنبوب الخط العربي الذي يمتد من مصر إلى الأردن ثم سوريا، ومنه إلى لبنان. ولكن يبقى على لبنان استحداث خط بالاتجاه المعاكس بموازاة الخط العربي، أي من لبنان إلى سوريا إلى الأردن ثم إلى مصر. وهذا ينضوي على تحديات وتكلفة عالية. والسبب أننا لا نملك بنى تحتية لتسييل الغاز.

أما الطريقة الثانية، أي تصديره من دون تسييل، فهناك إمكانية تصدير الغاز اللبناني عبر مد أنابيب بين لبنان وتركيا مباشرة. وهي الخطة التي كانت اسرائيل تدرسها واستبدلتها بالتصدير عبر مصر.

فالخط بين لبنان وتركيا ربما يكون من أكثر الخيارات التي قد تحقق جدوى اقتصادية، لا سيما أن تركيا تعتمد باستهلاكها على الاستيراد فقط. وهي تملك بنى تحتية ويُمكن لهذا الخيار تأمين تصدير للسوق التركي، ومنه يمكن التصدير عبر أنابيب تركية إلى أوروبا. وهذا السيناريو على الحكومة اللبنانية أن تبدأ بالتفكير به، خصوصاً لجهة استبعاد خيار استخدام الأراضي السورية في حال كان ذلك سيتسبب بأزمة سياسية في لبنان.

الكهرباء والغاز

إذاً هل من المُحتمل أن نبيع الغاز للخارج ونستخدم الفيول محلياً؟

نعم هذا احتمال وارد بكل أسف. بمعنى، في حال لم نتمتع بوجود محطات توليد على الغاز وبنى تحتية مؤهلة لاستخدام الغاز، فلا يمكننا استخدامه. فقطاع الكهرباء برمته يجب أن يكون جاهزاً لاستقبال الغاز. ولا يمكن أن نستفيد من الغاز ما لم تكن سوقنا ومحطاتنا مؤهلة بالكامل… لذلك، من الضروري أن تعلم الدولة أنه بات ملحاً حل أزمة قطاع الكهرباء للاستفادة من الغاز المُنتظر.

ما يعني من الممكن أن ننتج الغاز من البحر ونبيعه، ونستمر باستخدام الفيول أويل في معاملنا لإنتاج الكهرباء. وهذا ما يُعد كابوساً حقيقياً للبنان. والسبب أننا عاجزون عن الخروج من حلقة الفساد في الكهرباء وإصلاحه، لاسيما أننا من العام 2002 نضع الخطط لإصلاح الكهرباء ولا نطبقها.

بعد إخضاع ملف النفط والغاز للتجاذبات السياسية على مدى 13 عاماً، هل تعتقدين أنه ما زال بالإمكان الحصول لاحقاً على تمويل لإنشاء بنى تحتية تخوّلنا الاستفادة من الثروة الغازية والنفطية؟

إن تأخيرنا أكثر في هذا الملف سيُلحق بنا خسائر فادحة، لجهة تزايد الصعوبات في إيجاد تمويل للبنى التحتية وكل ما يرتبط بملف الغاز. وفي حال تأخرنا أكثر فإن كافة الأسواق ستًقفل في وجهنا.

فكبار المستثمرين والمصارف في العالم بدأوا بإعادة تقييم استثماراتهم على النفط والغاز والمعادن، لأنهم يعتبرونه قطاعاً ملوّثاً وضاراً بالطبيعة. وبدأوا العمل على طاقة نظيفة وغيرها، ومنهم على سبيل المثال قرر بنك الاستثمار الأوروبي European Investment Bank أنه في العام 2021 سيتوقف عن تمويل أي محطات كهرباء تستعمل فحماً أو فيولاً أو غازاً، وحصر التمويل بالمحطات الصديقة للبيئة فقط.

لا يمكننا الاستمرار بالمماطلة بهذا الملف. يجب أن يكون هناك تنسيق مؤسساتي دائم، بعيداً عن الزواريب الطائفية والسياسية.

هل تؤيدين شعار “لبنان دخل إلى نادي الدول النفطية”؟

لبنان ليس بلداً نفطياً. ولا يمكن الحديث حالياً عن دخوله نادي الدول النفطية، لبنان اليوم يقف على باب النادي يطلب إدخاله في حين أن الدول النفطية تقول له “بعد ما بيحقّلك”.

نحن نطلب الدخول وأعضاء النادي يقولون لنا access is denied الدخول محظور. ويبقى هدفنا دخول النادي. ولكن لا يجب المبالغة، فالناس لم تعد تملك أدنى ثقة بالمسؤولين. من هنا يجب على المسؤولين أن يكونوا دقيقين جداً في الحديث بشأن القطاع. ويجب أن يتمتعوا بشفافية عالية.

“مش لأنو وصلت الحفارة صرنا بلد نفطي”… نحن نعمل كي نصبح بلداً نفطياً، ونملك الإرادة لذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى