ملفات تعكر المناخ السياسي في تونس…استمرار القطيعة بين “قرطاج” و”القصبة”
النشرة الدولية –
تعيش تونس، منذ أشهر، على إيقاع تجاذب سياسي حاد وصل إلى حد القطيعة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة. وفي هذا المناخ السياسي المتوتر، دعا “الاتحاد العام التونسي للشغل” (منظمة نقابية) إلى مبادرة للحوار الوطني من أجل وضع حد للأزمة السياسية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد.
ورغم أن المبادرة ليست جديدة في حد ذاتها، إلا أنها بدأت في الأيام الأخيرة تأخذ زخما قويا وسط الأطراف السياسية المتصارعة. وفي آخر لقاء، يوم الأحد، بين الأمين العام للاتحاد، نور الدين الطبوبي، ورئيس الجمهورية، قيس سعيّد، أكّد الأخير “تمسكه والتزامه بالمبادرة”، وفق ما أوردته وكالة الأنباء التونسية الرسمية.
ويوم الخميس، انضم حزب “حركة النهضة” (إسلامي) – الداعم لحكومة هشام المشيشي – إلى الأطراف المرحّبة بالحوار، مشيرا إلى أن “البلاد في أشدّ الحاجة إلى حوار وطني يجمع كل الفرقاء دون إقصاء، ويحدد التوجهات الكبرى للبلاد والأولويات الاقتصادية والاجتماعية، ويخفف الاحتقان السياسي والاجتماعي، ويلمّ شمل التونسيين”.
لكن ورغم الترحيب الذي لقيته خارطة طريق الاتحاد العام للشغل لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد، إلا أن هناك ثلاثة ملفات قد تهدد بإفشال مبادرة الحوار الوطني.
ما تزال المواجهة السياسية التي اندلعت، في منتصف يناير، بين الرئيس قيس سعيّد، ورئيس الحكومة، هشام المشيشي، مستمرة. بل هناك من تحدث عن “قطيعة تامة” بين قصر قرطاج (المقر الرئاسي) وقصر القصبة (المقر الحكومي).
وفي الحقيقة، فإن بوادر الأزمة بين الجانبين بدأت مباشرة بعد أن كلّف الرئيس التونسي، في يوليو من العام الماضي، وزير الداخلية حينها، هشام المشيشي، بتشكيل حكومة جديدة خلفا لحكومة إلياس الفخفاخ.
في أغسطس، حذر متابعون من “خلافات” بدأت تظهر إلى العلن بين سعيّد والمشيشي، وذلك قبل يومين من عرض الحكومة على البرلمان لنيل الثقة. وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ للأنباء في سبتمبر الماضي، فإن قيس سعيّد “سعى جاهدا (..) إلى إحباط تعيين المشيشي أمام البرلمان لأسباب غير معروفة”. وكان رئيس حزب “قلب تونس”، نبيل القروي، أكد أن سعيّد حث كتلتا حركة النهضة وقلب تونس على عدم منح الثقة لحكومة المشيشي، مضيفا أن “رئيس الجمهورية عيّن شخصية غير معروفة لتكوين الحكومة، ولم تخترها الأحزاب، وبعد شهر ندم على خياره”.
وقد استمر مناخ عدم الثقة بين سعيّد والمشيشي، ليبلغ ذروته في الـ26 من يناير الماضي، على وقع “أزمة أداء اليمين الدستورية” للوزراء الجدد (11 وزيرا) الذين تمت تزكيتهم بالبرلمان. حينها، تحفّظ سعيّد على طريقة إجراء التعديل الوزاري، مشيرا إلى رفضه تعيين بعض الوزراء بسبب ارتباط أسمائهم بـ”قضايا فساد وتضارب مصالح”، ما خلق أزمة سياسية دستورية بينه وبين رئيس الحكومة.
يوم الأحد الماضي، خرج قيادي في “حركة النهضة” من أجل وضع حد لإشاعة انتشرت، طيلة نهاية الأسبوع في وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكد “نقل” زعيم الحركة ورئيس مجلس نواب الشعب، راشد الغنوشي، إلى المستشفى العسكري بالعاصمة.
وعلّق عضو المكتب التنفيذي لحزب حركة النهضة، رفيق عبد السلام، على هذه الأخبار، قائلا “لا يلجأ إلى مثل هذه الأكاذيب المفضوحة إلا من أفلس في ميدان السياسة وعجز عن المنافسة النزيهة”، في إشارة إلى خصوم الحزب.
وتأتي “إشاعة” تدهور صحة الغنوشي، بعد أن نشرت أسبوعية “الأنوار” المحلية تحقيقا تقول إنه يكشف حجم ثروة الغنوشي، التي قدرتها بـ 2700 مليار دينار تونسي (أي حوالي مليار دولار أميركي)، لافتة إلى أن الرجل “تاجر أسلحة”.
وردا على المقال، هددت النهضة، في بيان، السبت الماضي، بأنها ستلجأ إلى العدالة، مضيفة “تبعا للمقال المضلل الذي عمدت جريدة “الأنوار” لنشره، والذي تدعي فيه زورا وبهتانا على الأستاذ راشد الغنوشي رئيس الحركة ورئيس مجلس نواب الشعب امتلاكه لآلاف المليارات وإدارته لشبكات أسلحة قارية وغيرها من الادعاءات الكاذبة، فإن حركة النهضة يهمها إعلام الرأي العام أنه تم رفع قضية ضد ناشر المقال والصحيفة وكل من يكشف عنه البحث”.
وقبل هذين الحادثين، اندلع الجدل في البلاد، منتصف مارس الماضي، إثر تداول أشرطة صوتية على الشبكات الاجتماعية لرئيس “الكتلة الديمقراطية” (التيار الديمقراطي وحركة الشعب)، محمد عمار، تضمنت اتهامات للرئيس، قيس سعيّد، بالاعتماد على زوجته القاضية، إشراف شبيل، من أجل “التدخل” في القضاء.
وتحدث التسجيل المنسوب لمحمد عمار عمّا سماه “تفتيت” رئاسة الجمهورية أركان المؤسسة القضائية عبر ممارسة “الابتزاز” ضد كتلة حزب “قلب تونس” للتصويت على سحب الثقة من زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، مقابل إطلاق سراح رئيس “قلب تونس” نبيل القروي.
وأكد مراقبون لـ”أصوات مغاربية”، في وقت سابق، أن ما يحدث هو “تلويث” للساحة السياسية، وأن “تعكير” الأجواء ليس في صالح الديمقراطية التونسية.
يرى بعض المراقبين أن مشكلة الصراعات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ستظل تتكرر في المشهد التونسي بسبب الغموض الدستوري حول الصلاحيات، بالإضافة إلى غياب المحكمة الدستورية التي تقوم بدور التأويل للنص الدستوري.
وحسب الفصل 120 من الدستور التونسي لعام 2014 “تختص المحكمة الدستورية دون سواها بمراقبة دستورية مشاريع القوانين بناء على طلب من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة أو ثلاثين عضوا من أعضاء مجلس نواب الشعب”، كما تبتّ أيضا في”مشاريع القوانين الدستورية التي يعرضها عليها رئيس مجلس نواب الشعب”، بالإضافة إلى “المعاهدات التي يعرضها عليها رئيس الجمهورية”.
وتتكون المحكمة من 12 عضوا من ذوي الكفاءة، ثلاثة أرباعهم يجب أن يكونوا من ذوي الخبرة والمختصين في القانون، حسب ما ينص عليه الفصل 118 من الدستور.
ومنذ 2014 – تاريخ تبني الدستور الجديد – ظلت جلّ مقاعد المحكمة شاغرة.
وفي الأيام الماضية، عاد الجدل حيال هذا الملف إلى واجهة الأحداث، إذ يعتبر سياسيون أن غياب المحكمة سيؤدي إلى تكرار الأزمات السياسية، وبالتالي فإن الحل لهذه المعضلة هو تنصيب القضاة في المحكمة.
وقد جددت حركة النهضة، في بيان نقلته وكالة الأنباء التونسية الرسمية، دعوتها إلى “ضرورة استكمال البناء الديمقراطي، بعدم تفويت فرصة التصويت لصالح المرشّحين لعضوية المحكمة الدستورية، خلال الجلسة العامة المرتقبة يوم الثامن من أبريل القادم بمجلس نواب الشّعب”.
غير أن خصوم النهضة يرون أنها تتحمّل جزءا من المشاكل التي أدت إلى تعطيل مسار التعيينات في المحكمة الدستورية، وأن موقفها الحالي “محاولة لاستهداف” رئيس الجمهورية عبر مسارعتها باستكمال وضع المحكمة الدستورية.
وقد سارع قيس سعيّد، يوم الإثنين الماضي، إلى التأكيد على “ضرورة أن تتوفر في المحكمة الدستورية كل الشروط لتحقيق مقاصدها، وبينها الحياد والكفاءة، حتى لا تكون امتدادا لأية جهة سياسية”.