يوم في حياة مسؤول لبناني* فارس خشان
النشرة الدولية –
كيف يستطيع المسؤول أن ينام في لبنان، والحال على ما هي عليه من مأساوية وسوداوية؟
كثيرون هم هؤلاء الذين يطرحون هذا السؤال، وقد طرد الخوف والقلق والفقر والهجرة والمرض والجوع، النوم من عيونهم.
ما لا يعرفه أصحاب هذا السؤال، أنّ ما يفصل أحوالهم عن أحوال المسؤولين ليس بسيطاً. المواطنون مكبّلون بمسؤولياتهم اليومية، بهاجس الخبز والأرز واللحم والدواء والمستشفى وفواتير الكهرباء والماء وسندات المصارف وشركات السيارات والعقارات ومصير طلبات الهجرة في السفارات وأوهام…الخلاص الوشيك.
أمّا المسؤولون في لبنان الذين لا يهجسون بكل هذه “الصغائر والتوافه”، فقد أحاطوا أنفسهم بكل ما يمكن أن يسعفهم حتى يحظوا بنوم عميق، فلديهم الى الطبّاخ والخدم، الأطباء والندماء والمستشارون.
ويستدعي هؤلاء المسؤولون، كل ليلة، إنْ أزفّت ساعة النوم، مستشاريهم لشؤون رفع المعنويات، كما كان الأطفال يستدعون من يقص عليهم رواية، حيث يبدأون بضخ المعطيات المطلوبة. يخبرون من يعملون لديه عن شعبيته التي ترتفع، وعن طائفته التي تلتف حوله، وعن عواصم العالم التي تنتظر كلمته، وعن براعم الربيع الأخضر التي بدأت تظهر على شجرة مستقبله الوارفة.
ويكافئ المسؤولون مستشاريهم بابتسامة عريضة، مرفقة بسؤال عن اقتراحاتهم، فيجيب هؤلاء بثقة: “إستمر، يا سيدي في سياستك هذه، فأنت في الطريق الصحيح”.
يخرج هؤلاء المستشارون فرحين برضى “المعلّم” الذي يلقي برأسه على مخدّته، تاركاً لمعاونيه الاهتمام بما سيقوله غداً، في معركته السياسية المفتوحة، وينام واعداً نفسه بأحلام وردية.
ومن ينام سعيداً، يستيقظ نشَطاً، فيلتقي، خلال مشيته أو رياضته الصباحية، معاونيه، فيطلعونه على أخبار خصومه، وأحوال الشعب، بطريقة لا تعكّر مزاجه.
وهكذا، يظهر للمسؤولين أنّ الخصم في حالة انهيار، واستسلامه آت لا محالة، وأنّ الشعب في أفضل أحواله، فهو يخضع، من دون أن يدري، لحمية غذائية ضرورية، فقلة الخبز تقلّل الوزن، وندرة اللحوم تُنقّي الدماء، وشح المال يزخّم الروحانيات، وانخفاض ساعات الكهرباء يرفع ساعات النوم، والنقص في الدواء يذكّر الجسد بوظائفه المناعية، وتعطيل السيارات يشجع على المشي، والعجز عن امتلاك منزل يعيد الإنسان الى الطبيعة، بعد طول فراق.
تُفرح هذه المعطيات قلب المسؤول، فيستدعي “أركان الحرب”، حيث يتم توزيع المهام التي يلقى بأثقالها على عاتق جهاز الدعاية السياسية الذي عليه أن يعكس قوة “الرئيس” وانتصاره الوشيك وشعبيته المرتفعة وطائفته المطمئنة ودوله الداعمة وخيراته الآتية وتعاطفه الكبير مع الشعب العظيم.
بعد هذه الدقائق الرائعة التي تُظهره أنّه والشعب في الطريق الصحيح، يسمح المسؤول لأطبائه بأن يفحصوه ويناولوه الأدوية والمنشطات ولمزيّنه بأن يرتّب شعره، ولطبّاخه بأن يقدّم له الفطور الصحّي، ولخادمه بأن “يشغّل” التلفزيون على محطة “غير مأجورة” إلّا عنده، حيث يستمع الى نفسه، مراراً وتكراراً، ويهتم بمن يتناوبون على مديحه وتعظيمه، ويتولّون عنه ذمّ خصومه وقدحهم، والتقليل من أهمية الأخبار التي لا تتماشى وتطلعاته.
ولا يخشى مفاجآت في برنامج عمله، فاستقبالاته محسوبة، وإذا خرج أحد من الزائرين عن الخط، سارع المسؤول الى أخذ قيلولة، أو الى مراجعة هاتفه الخلوي، فهو في معركة مصيرية ولا يسمح لأحد أن يُشغله عنها بشكوى هنا، وبمصيبة هناك، فهذه “قلّة فهم” لحقيقة “المؤامرة” التي يواجهها بشجاعة الشجعان، وأخلاق الفرسان، ويقين المؤمنين.
ويقضي نهاره على أمل أن يحين وقت عودة مستشار شؤون رفع المعنويات إليه، ليخبره بما يعينه على أن يبقى متفائلاً.