أمراء السوق السوداء يسيطرون على المحروقات في لبنان… شركات وهمية تضع اسمها على أكثر من لائحة
النشرة الدولية –
المدن – جنى الدهيبي –
منذ ساعات الصباح، تعلو زمامير السيارات متقاطرة بالآلاف لتصطف أمام محطات المحروقات في طرابلس. وسرعان ما يحدث بين بعض سائقيها وسائقي الدراجات تدافع وتبادل شتائم وتضارب، فيشارك فيها العاملون في المحطات، ما يستدعي تدخل عناصر الأجهزة الأمنية والجيش.
بنزين ودماء
إنه مشهد يومي في طرابلس. وعلى بعد أمتارٍ قليلة من محطة وقود، يفترش رجال ساحةً عامة ويوزعون أدوارهم بين الحراسة والعمل، وإلى جانبهم عشرات غالونات البنزين الجاهزة للبيع. وفيما تمتد طوابير الذل لساعات لتعبئة خزانات السيارات وفق السعر الرسمي، يعرض عليهم “أمراء” السوق السوداء غالوناتهم خيارًا بديلًا، شرط أن يدفعوا ضعفي قيمتها، وأحيانًا أضعافاً ثلاثة، على مرأى الأجهزة الأمنية.
وينسحب هذا المشهد على عكار، وسواها من مناطق الأطراف جنوبًا وبقاعًا، حيث يستعر الغضب ويسيل دم في المشاجرات، فداءً للحصول على أبسط الحاجات المعيشية.
ويشكو أحد المواطنين العابرين في طرابلس لـ”المدن”: “أضطر أحيانًا لشراء البنزين من السوق السوداء، فأدفع ضعف قدرتي المادية، كي لا أتأخر على عملي، الذي صرت مهددًا بخسارته، ولا بديل لي عنه لإعالة طفليّ، مقابل راتب مليون و200 ألف ليرة”.
وما أن يأوي المصطفون في طوابير الذل إلى منازلهم في المساء، حتى يجدوها معتمة، بسبب ساعات التقنين التي يفرضها أصحاب المولدات الخاصة، بحجة عدم تزويدهم بمادة المازوت، التي تنتشر أيضًا غالوناتها في السوق السوداء على قارعة الطرق.
وبعد رفع الدعم جزئيًا عن المحروقات، صار سعر صفيحة البنزين نحو 75 ألفاً و600 ليرة لبنانية، وصفيحة المازوت بنحو 57 ألفاً و100 ليرة. غير أن هذه الأسعار الرسمية، تتوفر غالبًا في بيروت الإدارية وجبل لبنان. أما في مناطق الأطراف الخاضعة لسلطة السوق السوداء، فلا تلتزم بالسعر الرسمي سوى محطات قليلة.
محطات الأطراف
ففي البقاع مثلًا، وفق معلومات “المدن”، لا يمكن الحصول على المازوت اطلاقًا. وهو متوفر فقط في المحطات التي تبيعه بدورها لأصحاب المولدات. ويتجاوز أحيانًا سعر الصفيحة منه 150 ألف ليرة. أمّا البنزين فتفرض المحطات تقنينًا قاسيًا على بيعه، مخصصة كميات كبيرة منه بأصحاب النفوذ السياسي. وهذا ما ينسحب على مناطق الجنوب.
وتفيد المعطيات أن مشكلة الأطراف تتعاظم، نتيجة عدم التوزيع العادل بين المناطق. فمعظم الشركات المستوردة لا توزع في أقاصي الأطراف، ما يدفع أصحاب محطاتها لتوفير حاجتها من تجار السوق السوداء. وإلى جانب عامليّ التهريب والتخزين، استفحل نشاط السوق السوداء، ما يجعل حصول الأهالي على المحروقات بطرق نظامية مهمة شاقة وصعبة.
وهنا، يوضح عضو نقابة أصحاب محطات المحروقات، جورج براكس، أن مشكلة الأطراف تكمن في أن عددًا كبيرًا من محطاتها – خلافا لمحطات بيروت ومحيطها – تتعاقد مع قليل من شركات توزيع المحروقات، وهي بالعشرات في لبنان. لذا تعاني محطات الأطراف من تأخر كبير في استلام المحروقات. ولا ينفي براكس مخالفة عدد كبير من المحطات للقانون، بلجوئها لاعتماد تسعير عشوائي تجني منه الأرباح، خلافًا لتلك المعتمدة رسميًا.
وحاليًا، توزع في السوق اللبنانية –حسب براكس- نحو 10 مليون ليتر من البنزين، تعدّ كمية كبيرة ووافية في سوق لا تتجاوز حاجتها 8 مليون ليتر يوميا. أمّا المازوت فثمة شحّ كبير بتوفيره في الأسواق، مقابل الطلب الكبير عليه نتيجة انقطاع الكهرباء وحاجة الموالدات الخاصة له. وتبلغ حاجة لبنان اليومية من المازوت نحو 12 مليون ليتر، يتوفر منها أقل منها بكثير.
ما السبب وما العمل؟
يعتبر غسان بيضون، مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه، في حديثه إلى “المدن”، أن نشوء السوق السوداء للمحروقات، لا يقل خطورة عن أزمة تهريبها إلى سوريا، بل صارت تتجاوزها، لأن هذه السوق أضحت متحكمة بقطاع المحروقات، وهي تمسك زمام المحطات والصهاريج، وتسيطر على الموزعين، وتتواطأ مع شركات عدة.
وما عزز نشاط هذا السوق، حسب بيضون، هو إقبال المواطنين عليها، وتحديدًا من الفئات الميسورة نسبيًا، التي لا تمانع دفع 3 أضعاف لسعر الصفيحة التي تصل جاهزة إلى المنازل، كبديل عن طوابير الذل أمام المحطات.
ويحمل بيضون وزارة الطاقة والمنشآت والمديرية العامة للنفط ووزارة الاقتصاد، المسؤولية المطلقة لتعزيز نفوذ تجار السوق السوداء، في ظل التقاعس عن وضع آلية واضحة لتوزيع المحروقات، من لحظة خروجها من الخزانات، إلى لحظة وصولها إلى المحطات.
ولفت بيضون إلى أن ثمة شركات وهمية تضع اسمها على أكثر من لائحة لاستلام المحروقات، للحصول على أكبر كمية ممكنة. بينما المطلوب هو ضبط عملها، وفرض جداول رسمية تكشف يوميًا مسار توزيع المحروقات. وانتقد بيضون أداء وزارة الطاقة التي “لا تمتهن سوى طلب سلف من مصرف لبنان للكهرباء”، ووزارة الاقتصاد “التي لا تحسن سوى الشكوى من نقص عديدها تبريراً لتقاعسها في الرقابة الميدانية”. وهكذا، “أصبحت كل شركة تعمل بلا حسيب ولا رقيب، ليبقى المواطنون، الفقراء والموظفون الكادحون تحديداً، الذين يناضلون لشراء المحروقات بالسعر الرسمي، هم الضحايا”.
وذكّر بيضون أن للمديرية العامة للنفط سلطة مصادرة المحروقات. ويتساءل عن سبب عدم ملاحقتها للمخالفين وناشري الفوضى، مستغربًا عدم التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والرقابية والوزارية لفرض قيود صارمة، فيما تنذر أزمة المحروقات بتداعيات خطيرة على البلاد.
وإذا استمر الوضع ميدانيا على ما هو عليه، حتى لو رفع الدعم كليًا عن المحروقات، “سيتفاقم شح المحروقات، مقابل تعاظم ثراء تجار السوق السوداء، ليبقى الحل الوحيد بالجداول والإحصاءات الرسمية، لكل حلقة من حلقات هذا القطاع في موازاة تفعيل المداهمات الأمنية لمصادرة الكميات المخزنة القادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي للمواطنين من المحروقات”، وفق بيضون.
